السبت، 22 مايو 2021

في سؤال المعرفة: نقد نقد متراس

 

نقد نقد متراس:

كتبت هذه التدوينة في نفس يوم نشر مقالة باب العمود: النصر واضح والمتسلقون كُثر، الأخيرة كَــــتَبَتها هيئة تحرير متراس بعد انتهاء أحداث باب العمود الأخيرة التي كانت في اليوم الأول من رمضان، 13 أبريل/نيسان. 

أحداث باب العمود الأخيرة كانت تدور مجددًا حول وضع معيقات وحجز حريّة السير. أغلقته حكومة الاحتلال-القوة المُسيطرة-بسواتر حديديّة فاشتعل فتيلُ المواجهات. بعد انتهاء المواجهة، وثّقت هيئة التحرير صورة، تتلخص في أنّ "نصر" شباب القدس في إزالة الحواجز الحديديّة تسلّق عليه أشخاص. سؤال المقالة من الذي تسلّق على هذا النصر؟ حددت صفاتهم أنّهم: وسطاء، سواء كانوا بسطاء أو أصحاب قوة  في البرلمان. وعرضت متراس هذه الحالة إلى السطح في هذه مواجهة وغيرها من المواجهات التي حدثت أمام باب العمود في السنوات السابقة. لذا من ناحية دقة المعلومات تعتبر استثنائيّة، لأن هذه الصورة اعتمدتْ على توظيف الصحافة الصوريّة، التي تعتمد على الملاحظة والمشاهدة، وهو من أوائل الأدوات لتكوين حصيلة معلومات، لقدرتها على تجميع معلومات من فترات قصيرة سابقة، وهو أمر مهم، لتكوين صورة أقرب لنا، نحن البعيدون، وللقريبن الذين لم يشاركوا في الحدث، أو للمشاركين حتى يتذكروا الحدث، وقد تساعد كاتبًا أو كاتبة فيما بعد لكتابة مادة أخرى تتصل بها. 

 لكن، أخطأت هيئة التحرير، في رأيي، في التحليل، والذي يُختصر في القول أن في هذه المواجهات، أنّ  ما حرصت شرطة وبلدية الاحتلال على صنع النصر (من وضع الحواجز حتى نهاية المواجهات بإزالة الحواجز) ليبدو على هذا النحو، أنّه تم من خلال واسطات، من خلال ايجاد "من يمكن التحدث معه" في مواجهاتٍ لاحقة" حتى  ليبدو أن "ثمار الوساطة" قد آتت أكلها. أي أنّ المقالة، أفادتنا أنّ القوة المُسيطرة- حكومة الاحتلال-تحاول ايجاد وساطات مع أي مواجهات قادمة -وهي من أوجدت هذه الواسطات كي تدخل ويكون لها دور-، وحولت النصر سيناريو.

هل هذا النقل والتحليل يتوافق مع كيف هيئة التحرير تفهم متراس، ومع المبادئ التي طرحتها للمقالة الجيّدة في مقالتها "أين تتعثّر الكتابة؟

"كل ما يُمكن أن يوضع في طريق مشروع الاحتلال. إنّه محاولة لربط صناعة المحتوى الإعلامي والمعرفي، بما يقدّمه الفلسطينيون لـ"المقاومة" في معناها العامّ؛ تنظيمات وأفعال سياسية، ومقاومة الناس في اليوميّ. وتشمل الكلمة هنا الانطباعات الذهنيّة والممارسات الفعليّة، والعلوم والمعارف الفكرية والنظرية."-كيف نفهم متراس. 

 إذا نظرنا إلى عملية المراقبة، أولًا، فمن البديهي، أن تأتي النظريّة قبل المراقبة، لمعرفة ماذا نراقب؟ جُمَلْ الكلمات التي نكتبها بعد رؤية حدثٍ ما تأتي نتيجة تخمينٍ ما، فنــلتقط صور استطعنا مُلاحظتها في الواقع الحيّ نتيجة تَخمين ماذا سنلاحظ؟ كالتدريب على التقاط اللون الأحمر في غرفة الصف، أو مثلما يعلق اسم شخصٍ ما على لسانك بسبب شجار، أو إعجاب، يجعلك تنتبه لكل اللافتات التي تحمل اسمه في البلد. 

ولأنّ النقد خيمتنا الأخيرة. أعتقد، أخطأت هيئة التحرير، في انتاجها للمعرفة. من حيث، المعرفة العلمية التي كان من الممكن أن تنتج من المقالة، لم تتحول سوى إلا موقع قد يتحوّل، بالعكس، من "كيف نفهم متراس" إلى موقع به يصطدم هذا الإنتاج اصطدامه بالإيديولوجي (للقوة المسيطرة) من المعرفة، دون إنتاج حقيقي للمعرفة. 

وبدأ سؤالي أيضًا بِمُلاحظة. لمّا توالت الإغلاقات بالحواجز كلَّ سنة. استغربت من القوة المُسيطرة في اختيارِها الموعد، والطريقة، لمراتٍ عديدة. لماذا؟ ورافقه سؤالٌ آخر، كان سؤالي: لماذا يجب اعتبارُ إزالة تلك الحواجز انتصارًا؟ في كل مرة. 

هيئة تحرير متراس بذاتها قالت أن الحواجز وضعت لأجل خلق واسطات، أي أنّ هناك هدف. إذا لماذا عنونتْ المقالة ب"نصر"؟ وحتى لو أنّه مجرد عنوان، لماذا يجب اعتبار أنه نصر مُتسلق عليه؟ أي، لماذا لم توجه الأسئلة باتجاه القوّة المسيطرة لتحليل فعلها، فهيئةُ التحرير تدرك أن القوة المُسيطرة هي من خلقت "الواسطات" المتسلقون على "النصر"؟ وأنه سيناريو مُسبق كما أوضحت عدة فقرات في المقالة. وأقتبس مرةً أخرى " في مشهدٍ ربما حرصت شرطة وبلدية الاحتلال على صنعه ليبدو أن "ثمار الوساطة" قد آتت أكلها، وبالتالي هناك "من يمكن التحدث معه" في مواجهاتٍ لاحقة. "

لذا..

 لماذا اعتبرناه نصرًا إذًا؟  

إذًا كان الأولى توجيه الخطاب على هذا النحو، أن نضع صورة كبيرة أمام أعيننا؟ تُذكرنا، أنّهم في كل سنة يدرسون ويستشعرون نبض الشارع؟ بوضع متاريس أو كاميرات، مجرد تجارب. لخلق توتر وتشتيت. فهل نفرح يا رفاق أمام التجربة؟ تجربة معدة مسبقًا؟ 

إنّ هذه دراسة! كيف يؤثّر الثواب والعقاب على سلوكنا؟ كيف يؤثر وجود الواسطات؟ مثل دراسة الأثر أو السلوك. وبحسب قواعد المنهج العلمي مُجددًا، فإن الدراسة، تبدأ بالملاحظة والتجربة، وهو ما يحدث كل مرة، في الكواليس، إذ يخمنون نظريةً ما لملاحظتها. وليس الهدف وضع حواجز. بالتأكيد. بل خلق سيناريو لدراسته. لماذا لم يكن سؤال المقال على سبيل المثال، لماذا تصر حكومة الاحتلال على صناعة واسطات؟ أو لماذا تصر حكومة الاحتلال على وضع حواجز؟ والبحث عن أسئلة علميّة عقلانيّة. أعتقد أنّ النضال والمقاومة، كما نفهم متراس، أن نجتهد في تحليل هذه المُعطيات المتوفرة، لمعرفة الفرضيّة (أو النظريّة المُخمّنة) وليس أخذ المعطيات كما هي، وعرضها.

وأُضيف، مما يثير اللبس، أن ننهي جُملنا "أن الناس تعرف من معها ومن ضدها" بهذا نخلق شُبهات على كل فلسطيني؛ وكل فلسطيني يجب أن يثبت فلسطينيّته! مما يعزز ثقافة إقصاء الآخر. الإقصاء سياسة حكومة الاحتلال العامة. أعتقد، أنّ المقالة لا تخلق وعي جمعي موجه نحو هدف ما. لا ترقى أن تكون متراسًا، بل تنطق ما ينطق به حكومة الاحتلال. 

 "لا بد، إذن، من إخضاع الفكر المسيطر لنقد هو القادر، من موقع هذا الفكر النقيض، على تحرير العلمي الذي يتضمنه، أسيرًا في الشكل الذي ينبني فيه كقول هو القول المسيطر الذي يظهر كأنّه قول العقل الجمعيّ"-مهدي عامل

 أكد مهدي عامل في حديثه عن الصراع العرفي في كتابه "هل القلب للشرق والعقل للغرب؟": القوة المسيطرة لا تكبح الإنتاج بالمطلق، بل تجعله غير متمردًا ولا ثائرًا، تجعل المعرفة التي ننتجها تـُـنتج من أجله، ونعيد تكوين نفسه فيها فنُساعد في تشاملها -الذي قد يخيّل إلينا لاحِقًا أنّه قول جمعي-. وإنّ لم نسيطر على انتاج معرفتنا، من خلال أسئلتنا، أي، أسئلة موجهة لنا نصبحُ تُرسًا في آلتها وليس متراسًا في طريقها. 

 لذا أعتقد أن المقالة كانت عرض صور، دون تحليل كافي حتى النهاية بحيث تناقض عنوان "النصر" لأنها أفهمتنا بوجود سيناريو، ووجود واسطات؛ سيخرج القارئ حاقد عليها وليس على حكومة الاحتلال الذي جعل منها واسطات، بالتالي هذه المقالة ساعدت في تشامل القوة المُسيطرة أكثر-وتعميم ثقافة الإقصاء- بخروج قرّاء حاقدين على أشخاص فلسطينيين سواءًا أولئك الواسطات التي عيّنت مسبقًا من حكومة الاحتلال أو أولئك الذين كتبوا المقال. 


الجمعة، 21 مايو 2021

الاستراتيجيّة العسكريّة: سياسة وفلسفة المقلوب

هذه "الدولة" وهم، يجب فقط أن تحدق قليلًا وتحقق النظر

 

يمكن تعريف "الخطة الاستراتيجية العسكرية" بالتصميم الفكري والعملي الذي يسبق البدء بإعداد أي عمل عسكري وتنفيذه. وهي تشمل العمل العسكري كله؛ فترسم معالم مسرح العمليات والوضع العام والموقف العسكري؛ وتحدد المهمات والواجبات، والاحتمالات والتطورات المتوقعة؛ وتضع لكل حالة محتملة ولكل تطور متوقع طريقة، المعالجة والمواجهة، وتُبيِّن القوى والوسائط اللازمة [1]

تأتي هذه المقالة لتعرض الاستراتيجيّة العسكريّة التي شكّلت النظام الصهيوني في فلسطين. كانت بفضل استراتيجيّة عسكريّة مدروسة ومنظمة وهي المقلوب.  

"من الملاحظ أن المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على رأسها وليس على قدميها (ويمكن أن نسمّيها الاستيطان الصهيوني المقلوب) فقد كان هناك مزارع الكيبوتس وهي تنظيمات زراعية هدفها الاستيلاء على الأرض التي ستزرع وتكون طبقة مزارعين يهود. كما هناك "الهستدروت"، وهو نقابة عمال تهدف إلى خلق الطبقة العمّاليّة"، وذلك على خلاف كل النقابات العمّالية التي لا تظهر إلا كتعبير عن وضع قائم بالفعل...وكان هناك تنظيمات عسكرية تهدف إلى خلق شعب يهودي. أي أن الجيش يسبق الشعب...بل أن الجامعة العبرية نفسها تأسست بادئ الأمر كمبان وهيئة تدريس في انتظار الطلبة...حكومة، فدولة، فشعب"[2]  

سياسة المقلوب، في كل أمر حتى التفاصيل الصغيرة -التي تصير مُهمة أيضًا بعد الانتهاء من كل كبيرة-، حيث بدأت بتصميمها العسكري وأساسها النظري بقلب عبارة، الأرض للشعب، إلى أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، لذا أول التصميم والنيّة هو القضاء على الشعب بالمجازر، أو تفكيك المفاهيم المكونة لكلمة الشعب، بالترانسفير أو الأسرلة، وبناء عمق استراتيجي ببناء المستوطنات، وتنظيم نقل اليهود إلى فلسطين، لإتمام الاستيطان الاحلالي الصهيوني في فلسطين، وتحقيق العبارة. لذا ستعرض المقالة تطبيق الأسس النظريّة للمقلوب بشكليها المادي الواقعي والقانوني أو القانوني الفلسفي، ثمّ ستأتي لعرضٍ من الأسئلة، والأدوات الاستفهاميّة.

تنشأ الدولة حسب القانون الدولي المُعاصر من أربعة أركان:

1.    الشعب: ذا التاريخ والثقافة المشتركة.

2.    الإقليم: مساحة أرض وحدوها

3.    السيادة: أن تفرض الدولة قوانينها على الإقليم

4.    أخيرًا الاعتراف الدولي.

بالمقارنة، قانونًا، هذه الأركان لم تبدأ سوى من النهاية، من الاعتراف الدولي، وستنتهي بتحديد إقليمها. وبدأت بمجموعة من الوقائع المادية.

فالأصل، وجود الشعب ثمّ تنظيمه من خلال حُكم مبني على عقد اجتماعي من أساسه الشعب وتسمى حكومة. لكن في الهرم المقلوب، تبدأ بتنظيم-عسكري-ثمّ تنظيم نقل الشعب (إن كانوا يُسمّون شعبًا أصلًا، حيث أنّ هذا الركن مختل، فلا تاريخ أو ثقافة مشتركة، فيهود الغرب يختلفون عن يهود الشرق، دون النظر إلى اليهودي العلماني وغيره كلهم جمعهم الكيان في منطقة واحدة.) كان تنظيم نقل اليهود إلى فلسطين، بقوانين، فلم يسمى المُستوطن لاجئ حرب، أو نازح ولا أقبل بتسميته مهاجر بالتأكيد، بل مستوطن لا يملك حق شرعي لمواطنته. وهذه القوانين مثل قانون "العودة" وقانون الهجرة الاستيطانية الصهيونية غير الشرعية. والتي يعني بمفهوم المخالفة، أن كل هجرة هي مشروعة، ما عدا...وكانت ما عدا تلك التي تخرج عن الحسابات الاقتصادية والديموغرافية "للدولة" بحيث لو زاد اليهود المتدينون يجب نقل يهود علمانيون، وإن زاد الشرقيين يجب زيادة الغربيين، وهكذا حتى تحقيق هدف زيادة عدد المستوطنين اليهود على الفلسطينيين. فلو كانت سياستهم غير مقلوبة، لبدأت ببؤرة معيّنة بشكل طبيعي ثمّ توسّعت، لكنها تشكلت من خلال وقائع ماديّة تختلف عن الطبيعية.

 

 

الوقائع الماديّة

الواقعة الأولى، إنشاء الشركة، الواقعة الثانية، أذرع الشركة، الواقعة الثالثة، الجيش. الواقعة الرابعة: تنظيم نقل اليهود إلى فلسطين.

واقعة إنشاء شركة

يوضح الراحل عبد الوهاب المسيري في موسوعته: "وصفت الصهيونية "تصريح بلفور" بمصطلح عقد شراكة والمعنى الجوهري أن إسرائيل هي شركة استيطانية تشبه الدولة وظيفتها نقل كتل بشرية غريبة وتوطينها في منطقة محددة لاستغلالها اقتصاديا في عقد نفعي بين دول استعمارية كبرى دون أي استشارة أو وزن للمالكين الأصليين.

الشراكة بتعريف القانون هو تضامن بين اثنين، يتحمل كلا الطرفين التزامات الآخر. وصدق عبد الوهاب المسيري. ففي ذلك مثال اتفاقية الحفاظ على التفوّق العسكري لإسرائيل maintaining Israel’s Qualitative Military Edge  

هناك تاريخ طويل لهذا القانون منذ 1960 لكنّ صار شكله النهائي كما هو في 2008[3] "اتفاقية" كفاءة تجييش إسرائيل الأمريكية. "في عام 2008، سن الكونجرس تشريعًا يطالب بأن أي صفقة مقترحة لبيع الأسلحة الأمريكية إلى أي دولة في الشرق الأوسط بخلاف إسرائيل يجب أن تتضمن إخطارًا للكونغرس (يجب أن تصادق عليها السلطة التشريعية) مع تحديد أنَّ بيع أو تصدير مثل هذه الأسلحة لن يؤثر سلبًا على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على الجيش تهديدات لإسرائيل ".[4] هي ليست اتفاقية بين دولتين، بمعنى تلتزم كلا الدولتين بالتزام معيّن مقابل واجب معين، متبادل. ليست اتفاقية بل قانون، إلزام، بالرغم من وجود مقابل وهو المال، الذي هو بالأساس دعم من الولايات المتحدة الأمريكية. أي أن كل اتفاقية بيع لإسرائيل تعتبر أمرًا مفروغًا منه، قانون، فهي ابنتها وتولدت منها. أما غيرها يحتاج موافقة من الكونجرس كأي اتفاقيّة دوليّة.

كما أنَّ الكيان الصهيوني شكل جمعيّة–اقتباسًا من كتاب دولة اليهود، هرتزل –وهي:

1-    تمويل: بتكوين الصندوق القومي اليهودي، وتبرعات اليهود الأثرياء.

2-    قوة تشغيلية: الاستيطان العمالي للأرض أو الزراعي

3-    صندوق نقل الملكيّة

4-    الجيش

الواقعة الثانية: مؤسسات دولة داخل الدولة

·       هربرت صموئيل-وزير بريطانيا سابقا- ولوليس بولس

عام 1930 تسلم هربرت صموئيل من لويس بولس الإدارة "المدنيّة" على فلسطين أي فترة الانتداب البريطاني، لم يقم لويس بولس بالإدارة إلا لفترة قصيرة وأدرك أن في الدولة التي يديرها أنّه يتشكل دولة أُخرى داخلها، نفس المؤسسات، لكن مصغّرة وعندما تحدث بولس في الأمر نقل وتسلمها هربرت صموئيل ووقع الأخير على ورقة كتبها بولس أنه تسلم فلسطين وحدة واحدة، فأضاف هربرت صموئيل "حسب الظروف".

أدرك بولس أنّ هناك دولة أخرى تنشأ في أرجاء فلسطين تابعة لليهود، وكان ذلك مستغربًا لأنه هو مسؤول الإدارة "المدنية" في فترة الانتداب، مَن يعطي الأوامر فلماذا تُعصى أوامره؟ لاحظ أنّ كل وزارة تنشأ أو مؤسسة في الدولة يتم تشكيل أخرى أصغر بالتوازي معها.

وهكذا بعد التطهير العرقي، تختفي المؤسسات الأصلية الأولى أما المؤسسات والوزارات الطفيليّة المستحدثة تبقى. [5]

الواقعة الثالثة: جيوش منظمة واستخبارات  

كانت الجيوش الصهيونية المنظمة:

·       تصنع السلاح وتطوّره بالإضافة إلى حيازتها أسلحة بريطانيا.

·       تقوم بإرهاب البريطانيين والفلسطينيين.

·       تدرس كل قريّة.

·       تدرس طبيعة المجتمع وموطنيه.

أي بالنتيجة فصلّت الفلسطينيين، شكلًا؛ طرق احتلالها، ومضمونًا؛ الناس ونشاطاتهم.

من ثمّ أسست مستعمرات. الجدير بالذكر، أن المستوطنات، تشكلت أفقيّاً، من الساحل حتى نهاية الحدود، حتى سكة الحجاز؛ لتقسيم فلسطين، والقدرة على السيطرة عليها. حيث نرى في الدقيقة 28:53 حتى 29:20 من الفيلم الوثائقي النكبة -خيوط المؤامرة، صورة خريطة فلسطين، تَعرض خطة نشر المستعمرات في فلسطين وكانت بشكل أفقيّ. مكتوبٌ عليها "أرضُ إسرائيل". وهو ما شرحه فيما بعد إيال وايزمان في بحثه "أرض جوفاء " عن الهندسة المعمارية للاستيطان بعد عام 1967 وَهي ذاتها، والنهج المتبع منذ عام 1920.

الأركان القانونيّة (فلسفة المقلوب في القانون)

الأصل كما قلنا إنّ الدولة تتكون بعناصرها الأربعة، لكن بالمقلوب بدأت بركن الاعتراف الدولي عن طريق:

1.    "حل الصراع"

لجان حل الصراع، أمر فرض على السكان الأصليين، مقترحات سببها السلاح، وهي لا أصل لها من مبادئ العدالة، هذه ليست منازعة حدوديّة أو مشاكل لاجئين أو مهاجرين جدد، بل تطهير عرقي واستعمار استيطاني احلالي.

2.    أطروحة الفراغ السيادي:

 بعد خروج الإدارة الأردنيّة مما أطلقت عليه "الضفة الغربية" وبعد خروج الإدارة المصريّة ممّا أسمته قطاع غزة. انتهزت الدولة الاستعمارية خروجهم. بهذه الأثناء اعتمد موشيه ديّان قائد القوات العسكريّة "الإسرائيليّة" أطروحة قانونيةّ، وهي أطروحة قديمة، لكنّ تم طرحها مجددًا بعد خروج كل من مصر والأردن. أطروحة الفراغ السيادي. وشرَح، أو برر، أن خروج الإدارة الأردنية والمصريّة شكل "فراغ سيادي"، حيث أن تلك المناطق لا سيادة فيها، ما يؤسس إلى تحويل الغزو فعلاً مشروعًا، والنضال فعلًا مجرَّمًا؛ لأنّ لا أساس مشروع له. يعني أن تلك الأرض لا سيادة مُعيّنة عليها، أي لا يوجد أشخاص يحكمونها -أو يستطيعون حكمها. بالتالي نفى وجود شعب أصلي فيها، وأعدم أساس الحيازة القانوني للأرض. مصطلح يُغيّر مركزنا القانوني، يقلبه، من شعب أصلي له إرادته الحرة، له الحق في تقرير مصيره والسيادةِ على أرضه، إلى ناس لم تقرر بينها قانونًا وحكمًا وتنظيمًا ليحكم بينها أو ينظم حياتها، ولم تكن شعبًا أو جزءًا من أمّة ذات تاريخ مشترك.

كانت هذه الأطروحة الرائجة، أو التي يروّج لها، وهي اليوم مرفوضة في القانوني الدولي المعاصر، لأنها تُعدم حق السكان الأصليين.

وما ساعد على حصولها على اعتراف دولي هو وقوف الولايات المتحدة الأمريكيّة معها، لتنال عضويتها في الأمم المتحدة، لأنّها كما جاء من أسباب قبول عضويتها في الأمم المتحدة "أنها دولة محبة للسلام".

حتى الآن...سياسة المقلوب، في انتاجنا للمعرفة.

 

الجهاز المفاهيمي النظري لبنيوية المؤسسة، أي، أدواتُ مَعرفته وتعريفه، يقلب كلمة شهيد إلى مخرّب، فهذا قلب. فإن شهيد كلمة تعرف فعل نضالي تحرري أما مُخرب، والمعرفة باتفاقيات أوسلو، تحولك إلى شخص يقوم بفعل يشبه.."تخريب ممتلكات عامة"، أو إلى من يقوم ب"أعمال عنف"، وهذه الأخيرة أيضًا معرّفة في اتفاقات أوسلو، ومعرفة في قوانينهم أيضًا. وأضيف أنّه في ذات الاتفاقيات من بنودها؛ أن يبحث "مرشد تربوي" أفعال هؤلاء "المخربين" و"الذين يقومون بأعمال العنف".

بالإضافة إلى هذا القلب، فإنّ بنية الاستعمار الاستيطاني الاحلالي (بنية المؤسسة) تجبرك على التحدث بكلمات ومفردات محددة. بأن نستخدم الكلمات التي يُعَرِّفونا بها. تُجبرنا القوة المُسيطرة، على استخدام جهازها المفاهيمي. بما يقلب مفهومنا عن نفسنا ظانين أنّ هذا هو وعينا الجماعيّ.

على سبيل المثال، في اعتقادي، ما حدث في الحراك الفحماوي. كانت لافتات الحراك الفحماوي ومنشوراته ضد الشرطة تنبذ "العنف" وأنّها مُظاهرة "ضد العنف، والجريمة، ضد التواطؤ والفتن" أو "معالجة مظاهر العنف". ولم يقل المتظاهرين أنّها مُظاهرة ضد العنصرية حتى. ولم يقل الحراك أنّها ضد الإحلال، أو ضد الصهيونية، أو التطهير العرقي.

بالتالي ستكون النتيجة خلخلة ما تبقى من العقل الجمعي القديم، وترسيخ تلك الكلمات في العقل الجمعيّ. وبالتالي لن نُسمي الأشياء بمُسمّياتها، بل سنصبح ترسًا في آلتها، توسّع من آلية انتاجها، فتحاكينا كأننا أقليّة، ولسنا أصحاب البلد. فغداً أو بعد غد وعلى هذا المنوال سنهتف بالعبرية حتى يفهموننا، لأننا نستخدم مفاهيمهم، ليتقبلوا هتافنا، ويُصبح غضبنا مُبررًا.

في وجه العملة الآخر، في شرق فلسطين، لا يسمى الأسير معتقلاً كما في غرب فلسطين.

المُعتقل هو الذي يُحجز بسبب فعلٍ جزائي. والأسير هو الذي يحتجز خلال النزاعات المُسلحة. الخطف هو احتجاز شخص ما، ويكون فيها القَصد الجرمي معقودًا لأجل تقييد حُريّته الجَسديّة.

 تُذاع الأخبار في شرق فلسطين عندما يخرج أحدهم من السجن، أنّه "أسيرٌ " ويتبعها "محرر" قلب المفاهيم هنا كانت لإضافة الوهم على العقل الجمعيّ أنّ هناك نزاعات مُسلّحة قائمة، وأنّه تحرر بفعلٍ نضالي كما كأنّه كان في حرب وأتت النجدة أو صفقة أحرار، لتحريره. رشدي أبو المخ فعلها، حرر الكلمات، في لقاء معه بعد خروجه من الخطف المستمر المُقنن، قال على التِلفاز وأمام الجميع "انتهت فترة محكوميتي".

لذا هل يمكننا أن نسير في سياسة المقلوب؟

 

ما نفعله في الكنيست وخارج الكنيست هو شيء خاطئ تمامًا، فهذا الكيان يمشي على رأسه وليس على أقدامه-ويمكن تناول أي موضوع من هذا المنطلق-فالقوانين الداخليّة في الكنيست ومنذ 1956 جرّمت وحرّمت أن يكون هناك صوت يعادي طبيعة الدولة اليهودية. وكما رأينا تجربةُ المناضلين خارج الكنيست تطولها قوانين تُعرّف أفعالهم بأنها أفعال إرهابيّة معادية لطبيعة الدولة، بل ينزل به إلى عمل تخريبي، كمن يخرب ممتلكات عامة أو تسميتها بأعمال عنف، كما سميت في اتفاقيات أوسلو وكما سميّت في بروتكولات الكنيست.

ما نحتاجه هو قلبُ الهَرَم كما قلب علينا. وليس التفكير في حرب رومانسيةٍ مستمرةٍ للحرية، بل استراتيجية واستعداد عقلي تامْ للمعارك كعقليّة جندي بمفرده في الحرب. حتى نبني أساسات دولتنا يجب قلب الهرم، بالبدء بالهرم ذاته. -يجب التحفظ والمحافظة على الهوية، وبناء مؤسسات داخل مؤسسات "الدولة" ويجب أن تكون مؤسسات قوية، وطنية. هذا الوتد يجب أن يكون قويًا جدًا. ويجب استخدام الكلمات الصحيحة، لنتمكن من تحليل الواقع. وقبل كلّ ذلك إيجاد وخلق أدوات لتحقيق ذلك قبل محاولة تحقيقها ذاتها، أي، إيجاد أدوات للمعالجة. بالتصميم الفكري والعملي الذي يسبق البدء بإعداد أي عمل نضالي، ورسم معالم مسرح العمليات والوضع العام وتحدد المهمات والواجبات، والاحتمالات والتطورات المتوقعة؛ وتضع لكل حالة محتملة ولكل تطور متوقع طريقة، المعالجة والمواجهة، وتُبيِّن القوى والوسائط اللازمة. 

الخميس، 20 مايو 2021

حسرةُ جدي

حسرةُ جدي 

(معرض: طُبعَ في القدس-المتحف الفلسطيني)




...وأنا أكتب اليوم، لا أدري ما العلاقة بين الكليشيهات التي غمرت المكان، وجدي، وحسرته التي طُبعت على ذاكرتي.


بعد زيارة معرض "مدى البرتقال" أوليت اهتمامًا شديدًا للمعرض القادم "طُبعَ في القدس" من حيث أنّ الأسئلة السابقة في مدى البرتقال: أين كانت كل هذه؟ لماذا لم أر مثلها من قبل؟ ستوجه نحو مدينة القدس فقط. سيحتوي على "مُلصقات" طُبعت في القدس. القدس بالذات. لم أكن قد قرأت شيئًا عن المعرض، حتى أفهم أنّه يتحدث عن المطبوعات إلا عندما شاهدت إعلانات المتحف الفلسطيني. تغيرت الفكرة من أنني سأرى ملصقات إلى مطبوعات.

"طبع في القدس

مستملون جدد"

 

مُس تمْ لون. ليس المستَـــلــِمون يعني؟

المستملون، ما هو المستملي؟

 

بدت الكلمة واقفة كشخص يخبئ خلف ظهره شيئًا يخصّني، حاولت أن أباغت الكلمة ذلك النهار، بأن أقفز نحوها ولعدة أيام متفرّقة بقولي مستملون بصوت مرتفع، لعلي أظفر بنظرة من المعنى الذي تُخبئه. تتوارى في كل مرّة. في النهاية اكتفيت بالوعد الذي في الإعلان

 

"قريبًا. طُبع في القدس.

 مستملون جدد"

أنطق كلمات أعرفها، طُ، بِ، عَ. طُبع، طباعة، تطبيع، طابعة، مطبوعات...بلابلا.

زرت المعرض دون تخطيط مسبق بعد أن سألتني رفيقتي كيف "نكسر الروتين" فاقترحتُ زيارة المتحف. ظهر 11\2\2021 زرت المتحف الفلسطيني، في بيرزيت.

 

 

 

 (معرض طبع في القدس، يعد هذا المعرض المحطة الثانية في رحلة معرض طُبع في القدس، الذي افتتح في متحف التراث الفلسطيني في مؤسسّة دار الطفل العربي في القدس في أواخر عام 2018 مستندًا فيه إلى مجموعة المطبعة العصريّة مطبعة لورنس، والتي تم التبرع بمعظم أدواتها، للمؤسسة عام 1998، تلك المطبعة التي أنشئت في أوائل الثلاثينيّات من القرن العشرين "فترة الانتداب البريطاني" واستمرت بالعمل حتى الثمانينيات من القرن الماضي.) - الكتيّب.

بداية المعرض.

عارضتني شاشة عريضة، حاصرتني وحاصرت المكان. تعرض مقطع شريط مصور لمطبعة أظنّها مطبعة دار الأيتام. وأمام الشاشة مطبوعات، كتب قديمة يحيطها لوح زجاجي، مطبوعة في تاريخ 1920م-م1927. أقف هنا، في نفس الفترة الزمنيّة التي تأسست فيها الجامعة العبريّة في القدس، في المكان الذي كان من الممكن أن يقف عليه بن غوريون، عام 48، لو لم يقل له أحدهم من يحتل الساحل يحتل القدس، فوقف في متحف الفنون في الجامعة العبريّة، بُعيد مجزرة دير ياسين، أعلن استقلالهم.

أعلنَ الاستقلال فوق أجسادهم من متحف الفنون. كأنّهم احتفظوا بالأجساد في المتحف.

النساء، والأمهات، والآباء والأبناء الذينَ طُبع الإعلان على أجسادهم، احتُفظَت أجسادهم في قلب إسرائيل، وإلى الآن الأجساد محبوسة في حويصلات، في رئةِ هذا الكيان. إلى الآن، أستطيعُ سماع دق قبضات يدهم، أستطيع سماعهم وهم يتنفسون.

كنتُ قد سألت قيّمة معرض مدى البرتقال، لماذا أشعر بأن الملصقات جاءت من مرحلة مختلفة وليس من أربعين أو خمسين سنة؟

أجابت "هذا الفارق ستشعرين به بلا شك. تقوم مؤسسات المتاحف على سحب الأشياء من مسردها الزمنيّ وحفظها داخل جدرانها، موقفةً هذا التدفق الطبيعي للزمن، للاضمحلال، للتغيير."

من الطبيعيّ على الدولة الاستعمارية الاحتفاظ بالموتى أو ما تبقى منها في متاحفها. خوفًا من التغيير، لو معنويًا. في ذلك مثال قريب جدًا، احتفاظ الاستعمار الفرنسي وإلى اليوم بجمجمة الشهيد سليمان الحلبي الذي اغتال قائد الحملة الفرنسيّة على مصر عام 1800م. مر من كل بقاع سورية الكبرى، من حلب مرورًا بالقدس ومن ثمّ غزة، إلى مصر.

اليوم سليمان الحلبي في المتحف الفرنسيّ. وجود الرمز بين جدران المتحف الاستعماري يُعلّق المعنى ويحبس الرمز، رمز وحدةَ سورية الكبرى ووحدةَ المصير. تلكَ الرموز مثل نار الفرس إن انطفئت يهزم أصحابها. كذلك هو فعلُ سُليمان، وحَبسُ فعل سليمان. المدة الزمنية الطويلة من حبس رمز سليمان تجعلنا نشعر أنّ الهزيمة شيءٌ طبيعيّ.

خطر ببالي أنّ ذلك يشبه فلسفة في القانون تسمّى "حالة الاستثناء"، كأنّه إعمال آخر لها، إعمالٌ معنوي.

حالة الاستثناء هي على وجه التقريب، لمّا يريد القانونيّ تكييف جريمة –مثلًا-فإنّه ينظر إلى الوقائع الماديّة إذا كان يسقط تكييفها على المادة القانونية، كي يعرّف الفعل في القانون ويكون الفاعل تحت طائلة المسؤولية القانونية. في حالة الاستثناء، تُشَقُ هذه القاعدة على عتبةِ التناقض بين الماديّ الملموس والمادة القانونيّة، تؤسس لحالة من اللامبالاة. من حيثُ لا أحد يعترف بالواقعة-بالمادي الملموس، ولا أحد يرى المادة القانونيّة.

آلياتُ شق القاعدة، آلياتُ حالة الاستثناء تقع على أشكال، أما الأكثر شيوعًا، إعلان حالة الطوارئ لفترة طويلة، وإعلانها يبيح القيام بأي شيء يخرج عن الحقوق الأساسيّة للإنسان تحت مبرر وجود تهديد. والنظام سيعرّفك (عرّفك وخلّص) أنّك أنت التهديد، جسد مرفوض، من خلال تغييب التعريفات القانونيّة. ومع طول مدة حالة الطوارئ تظنّ الأجيال القادمة أنّ هذا طبيعي. فيتحوّل الطبيعي إلى غير طبيعي ثمّ نعتادُ على غير الطبيعي فنسميه طبيعيًا. ويحدثُ فجوة من آخر مرة كان فيها الزمان طبيعيًا بالتالي يحبس أو يحجز التعريفات الطبيعيّة. كما حبسَ معنى سورية الكبرى ووحدة المصير كما طبع الهزيمة في أذهاننا لمّا احتفظ بشهداء المجازر بين جدران المتاحف.

لذا تكمن مُعضلةُ حالةِ الاستثناء في أنّ لها سؤالين، و، جواب واحد:

من الذي يعلن حالة الاستثناء؟ صاحب السيادة.

من الذي يمنع ويلغي حالة الاستثناء؟ صاحب السيادة.

"ذلك ما أرادته القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة (قاوم) رفضت وجودَ التناقُض بين الطبيعي وغير الطبيعي وحدوث فجوةٍ في تاريخ الفلسطينيين؛ إذ في المنشور السادس أعلنتْ "رفض قوانين حالة الطوارئ البالية".  

اتخذت خطوة دفاعيّة.

كنتُ أمام عمل فني تركيبي، "المنشور السادس".

 ثلاثة منشورات عملاقة بجانب بعضها. تتموّج كأنها خارجة للتوّ بسرعة كبيرة من مطبعة عملاقة من السماء، لذلك اتخذت خطوة دفاعية، كانت الأوراق مندفعةٌ نحوي، لكن سكَنت وتناثرت حولي حالما لمحت "ملاقط الغسيل" لمريد البرغوتي. صارت كأنّها مشبوكة على حبال الغسيل، ترفرف بحرية، تريد أنْ تستريح في الهواء فقط.

 اقتربت من العمل التركيبي أكثر. كان كل منشور –عملاق-يتكون من منشورات متلاصقة لا تحمل رقم ستة فقط كما ظننت أول مرة. بل أرقام بيانات مختلفة، البيان الثالث، الخامس، السادس، السابع...الحادي عشر. كلها مُركبة بقطعة واحدة. تاريخها من عام 1988، كانت انتفاضة الحجارة ما تزال مشتعلة.

هذه المنشورات، لم يكن لها يوم محدد لطباعتها أو توزيعها، ولم تكن توزّع بطريقة عاديّة. على ذات غفلة تداولُ تهريبًا. هذه المنشورات كانت تحوّل حملتها إلى مُقاومين ما إن يجدها المستعمر بيد أحدهم سيُذَل.

 ماذا كانت تفعل هذه المنشورات بالمستعمر؟

كانت المنشورات تبدأ بنداء عريض

بسم الله الرحمن الرحيم

"لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة"

لا صوت يعلو فوق صوت الشعب الفلسطيني –شعب منظمة التحرير الفلسطينيّة

نداء –نداء –نداء

نداء رقم ...

صادر عن منظمة التحرير الفلسطينيّة/ القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة (قاوم)

 

انطلقت البيانات من تاريخ 8/1/1988 حتى 1/8/1993 حواليّ ستة وتسعين بيانًا أو سبعة وتسعين. أكّدت كلها على مبادئ الانتفاضة، وكانت تحت قاعدة فلنشعل الأرض تحت أقدام الاحتلال. والمواجهة بمزيد من التصدي حتى يصبح وجودهم في البلاد مستحيلا.

يُلاحظ القارئ بعد قراءةٍ سريعةٍ لبيانات الانتفاضة من 1988 إلى 1993 أنّ المنشور تصدره منظمة التحرير الفلسطينيّة/ القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة (قاوم)، يُعرض بطريقة روتينية. فيبدأ بذكر إنجازات الشعب الفلسطيني، وخسائر الاستعمار الصهيوني. وبعد المناداة، كان يشرح مبادئ عامة لتنظيم الانتفاضة أو كان ينادي كل طبقة أو فئة بمفردها (أصحاب المحلات التجاريّة، والطبقات العاملة والطلبة، أصحاب المهن الطبيّة، وأصحاب الشركات ومكاتب التكسي والباصات) ويشرح لها دورها أو مهمتها التالية أو واجبها لتعطيل حركة السير، والخروج في مظاهرات تُخلّد ذاكرة الشهداء، وفي بيانات أُخرى كانت تتخذ إجراءات تصعيديّة كالإضراب الشامل. ثمّ توضح (قاوم) في المنشورات وظيفة "القوّة الضاربة" لتطبيق النداءات. ومن الواضح أنّها القوة التنفيذيّة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي تشكل الرقابة على الشعب وتنفيذ نداءات (قاوم) التي شكلت مبادئ الانتفاضة.

مبادئ الانتفاضة باعتقادي غطت الكثير أهمها استمرار التعليم حتى لا يحقق الاحتلال نصرًا في سياسة التجهيل، بل في المنشور 64 (20/11/1990) اعتبرت (قاوم) الحصة الأولى درس لشرح الانتفاضة. وكررت مرارًا: أهميّة الاقتصاد البيتي والاستثمار الفلّاحي، نادت بتحسين ظروف العمال، وفي بعض المنشورات نادت بزيادة الأجر وإيجاد نظام عمّالي يحسن ظروف العمل. والامتناع عن دفع الضرائب، وحرّمت تجميع التبرعات ونادت بمقاطعة البضائع، والتصاريح، والعمل في الداخل المحتل. يليه أو يسبقه تحيات لأحزاب أو شهداء. ثمّ جدول الإضرابات، الكثير من الإضرابات الشاملة أو الجزئية في جدول مؤرّخ للاحتدام بالجيش، وتنظيم مسيرات ومظاهرات، رفع الأعلام، ومواجهات، وأيام لإحياء ذكرى الشهداء، ومسيرات لإحياء مناسبات وطنيّة. وأوامر بنشر مواد لزجة وحواجز في الشوارع الرئيسية والفرعية (المنشور الأول).

يُلاحظ من القراءة أيضًا أنّ ظاهرة الإشاعات سادت مُنذ بدايات الانتفاضة، حتى أنّ أحد المنشورات أُلحق بمنشورين لكي يقشع الاشاعات وينبه لها ويذكرها، وضّحت المنشورات أنها تغذّي "الاحتلال" وموردٌ لإضعاف الانتفاضة ومن صنع "الاحتلال" ذاته وأضافت المنشورات الأخيرة أنّ ظاهرة السرقات أيضًا من صنع الاحتلال.

مع الوقت هذه المنشورات صارت روتينيّة جدًا. وهو ما لاحظته (قاوم) لذا دعت ألا يكون الإضراب رتيبًا في المنشور (55) على الرغم من أن (قاوم) هي التي تنظمه-هُناك مأخذ آخر على النداءات غير الروتين، ملل تتبعها بعد حماسة فائقة. المطالب مستحيلة التنفيذ التي تنادي المجتمع الدولي أو تنادي بتنفيذ اتفاقيات جنيف، بحيث لا جمهور مُستهدف أو قوة لتطبيق اتفاقية دولية، بالتالي تعتبر قرارات كأن لم تكن. مثل المنشور 26 "تنفيذ اتفاقية جنيف 1949 وكافة الاتفاقات الدولية في الأراضي التي تنظم على الاحتلال بالأرضي المحتلة التنفيذ الفوري لقرارات مجلس الأمن في عدم ترحيل الفلسطينيين، قرارات رقم 607و608 و605."

لا يهم ذلك الآن. في النهاية اختفت تلك المبادئ. صارت منشورة على حبل الغسيل، بعد توقيع اتفاقية التسوية، إعلان المبادئ أوسلو عام 1993، تحوّل حملة المنشورات من مُقاومين إلى مَدنيين، ناس "يمارسون العنف" بحسب تعريفات بنود أوسلو.

مبادئ –أوسلو-في فلسفة القانون، تُمثّل شكل آخر من أشكال توليد "حالة الاستثناء". أحد أشكال هذه الحالة إصدار بروتوكولات وقوانين وبيروقراطية -لا ترغب بوجودك المُناقض لها-، أي بدلًا من تغييبك عن التعريف القانوني، تأتي لك بتعريف قانوني لا يرغب بوجودك-بوجود هويتك السياسية-.

بعد نظرةٍ أخرى، حسنًا. أعتقد أنّه مهمٌ جدًا النظر للمنشورات، من حيث، تُعتبر هذه المنشورات هي دستور بل مقدمة دستور، أو بأقل حالاته مصدر تشريعي تاريخي للفلسطينيين، وستحل محل "أوسلو" في حال تم العمل على إلغاءها عمليًا، بالمُقاومة. وإظهار الوقائع إلى السطح في وعينا جميعًا. يمكننا كتابة بحث طويل، في أنّ "أوسلو" ميتة قانونيًا. غير قانونية وباطلة بمطلقها لكثير من الأسباب أهمها أنها وبدون تعقيد تتنافى مع القواعد الآمرة في القانون الدولي.

إذا روتينيّة منشورات الانتفاضة كانت ذات معنى، هو كذلك القانون جامد، ومُمل ولا يتغيّر، لأنّه قانون. هذا ما يميّزه، وميّزَ المنشورات لأنها قانون. لذا كان الاستعمار الصهيوني يمنعنا من تداولها، وتبليغها من شخص إلى آخر، لتكوين مبادئ عامة تجمعنا، كان الاستعمار الصهيوني يمنعنا من تكوين مصادر ومبادئ لتكوين وتعبئة حركة تحررنا الوطنية بالمضامين.

كان البند الأول "فلنشعل الأرض تحت أقدام الاحتلال. والمواجهة بمزيد من التصدي حتى يصبح وجودهم في البلاد مستحيلا".

كما ستحل مبادئ تلك المنشورات مكان تلك الآراء التي تقول بالرجوع إلى قرار التقسيم رقم 181 الذي أصدرته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة، فهي أيضًا غير قانونية.

 للتوضيح، قرارُ التقسيم كان في تاريخ 1947 أي لا يوجد شخصيّة قانونيّة تكونت للكيان الصهيوني لتكسب مركزًا قانونيًا. وإن افترضنا جدلًا في خيالنا وجودها. فبالرجوع إلى بنود اختصاص الجمعيّة العامة، والأمم المتحدة نجد أنّها انتهكتها. صلاحيّاتها فقط هي "توصيات بتقرير السلم" أما أبعد من ذلك فهو باطل. بالتالي ليس لها أي اختصاص في تقرير مصير شعب، أو تقرير إنشاء دولة، وبذلك يكون قرارها منذ نشأته باطلًا، وكذلك تنفيذه والاستناد إليّه في أيةِ حالة.

ذلك ما أرادته روحُ القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة (قاوم) أن نتشبث بالتاريخ لمّا كان طبيعيًا، رفضت وجودَ التناقُض بين الطبيعي وغير الطبيعي وحدوث فجوةٍ في تاريخ الفلسطينيين؛ إذ في المنشور السادس أعلنتْ "رفض قوانين حالة الطوارئ البالية".

على كل حال لربما كلّه كلام فارغ أمام شراع كلمات كارل ماركس المُبحرة في قلوب الثوّار بقوالب مُختلفة "البشر يرون العقاب وليس الجريمة، وعندما لا يرون الجريمة عندما تتم معاقبتهم، يجب عليك أن تخشاهم، لأنهم سيأخذون بانتقامهم"

لأنّ حالة الاستثناء، اقتتال وجودي على عتبة التناقض. قوانينها منعت الناس من ممارسة حقوق طبيعيّة، منها التعبير عن الرأي، وقديمًا، هناك تاريخ طويل جدًا في منع المطبوعات منذ الانتداب حتى اليوم، من دون سبب، سبب نقتنع به. مثل إصدار قوانين تخص الصحافة مقيّده، فتغلق المطابع، أو إرسال تحذيرات، أو تعطيلها أو توقيفها، أو حظر توزيع مطبوعاتها، ومراقبتها عسكريًا وغيره حتى مُلاحقة حملة المطبوعات. هذا المنع يُلغي عملية مُتعبة، تبدأ من كتابة الكتاب بخط اليد، ثم قراءة الكتاب ونقله بترتيب الأحرف معكوسة من اليسار إلى اليمين لتظهر من اليمين إلى اليسار حتى تكون بشكل نهائي صحيح، من خلال كليشيهات. وكانت هذه هي عملية الطباعة لكل المطبوعات سواء كانت إعلانات أو مقالات أو كتب أو رسمة أو دعوة –عزومة-عرس.

وهم في مقابل منعهم مطبوعاتنا، وإذلال حامليها. كانوا يُدخلون سرًا مطبوعات أهمّها: العملات النقديّة. وهذا اقتباس من الموقع الإلكتروني "بنك إسرائيل -كتالوج العملات الورقية والمعدنية القديمة"

العملات الورقية والمعدنية هي ليست مجرد وسائل دفع؛ فهي ايضًا رمز للسيادة. عندما اجتمع المؤسّسون على أعتاب اقامة دولة جديدة، كان عليهم أن يحددوا لها عملة أيضًا. وبما أن اسم الدولة لم يحدّد بعد، طرح السؤال، ما الذي يجب طباعته على العملات؟ لم تكن امكانية لطباعة العملات في ارض اسرائيل – سواء بسبب وجود الانتداب الذي لم ينته وكذلك لعدم توفر الامكانيات التقنية المطلوبة. مع ذلك كان من الواضح بأنّ مطبعة تملك هذه القدرة خارج البلاد لن تطبع اموالا لدولة لم تقم بعد. وبعد محاولات الاقناع، حصل السيد ز. هوفاين، رئيس مجلس ادارة البنك الانجلو فلسطيني على موافقة شركة “اميريكان بانكنوت كو” في نيويورك لطباعة هذه العملات.

 

من أجل تجاوز الحاجة للحصول على موافقة وزارة الخارجية الامريكية على طباعة عملات دولة اجنبية، لم تحمل العملات التي تمّ التوصية عليها أي إشارة بأنها عملة قانونية. وطبعت عليها كلمات “عملة قانونية لدفع أي مبلغ كان” في وقت لاحق بشكل منفصل. كذلك امتنعت الشركة التي قامت بالطباعة عن تسجيل اسمها على العملات. اعتمد تصميم العملات على زخارف توفرت لدى شركة الطباعة كان قد استخدمت لطباعة عملات صينية!

 

وبما أنه عند طلب العملات لم يكن اسم الدولة معروفًا بعد، ولا اسم العملة، فقد كتبت على العملات كلمات “ليرة ارض اسرائيل”، عملة الانتداب.

 

وصلت العملات إلى البلاد بشكل سري في تموز 1948. في يوم 17.8.1948 شرّعت الحكومة قانونًا اعلنت فيه عن هذه العملة كعملة قانونية، ودخلت إلى التداول في 18.8.1948.​

 

لتزيين العملات اختارت اللجنة مناظر طبيعية من البلاد، ومن أجل تصميمها تمت دعوة مصممين وفنانين إلى المطبعة الكبرى للعملات في لندن، “توماس دي لا رو”. ظهر العملة مزخرف برسومات تجريدية.

 

لم يبد الجمهور اعجابًا بالرسوم التجريدية في السلسلة “أ”. ومع ازدياد الانتقادات، قرر المحافظ اصدار سلسلة جديدة، وأقام لجنة عمومية لتحدد ملامحها. اختارت اللجنة شخصيات من الحياة اليومية: عاملة في القطاف، صياد سمك، عالم وما شابه كمواضيع رئيسية، ومكتشفات أثرية مهمة كمواضيع ثانوية.

 

شكل وحجم العملات اختلف عن السلسلة السابقة. كانت الرسوم الأساسية من ابداع رسامين اسرائيليين. دخلت هذه السلسلة إلى التداول بين السنوات 1959 و1960، واستبدلت السلسلة السابقة تدريجيًا.

 

ابتداءً من هذه السلسلة وما بعدها طبعت العملات الاسرائيلية في أوروبا في عدة مطابع حكومية، أو في مطابع خاضعة للرقابة الحكومية.

 

 (رد المستوطنون بالاعتراض على محاولةُ إضفاء طابع فنّي على العملات. لم تكن تعبر عن هوسهم في الدولة، فالدولة لم تكن لترتبط بالمشاهد الطبيعية، بل وجوه صهاينة بل أفكار. كما أنّ هذه أعدّها ثاني محاولة للإيهام بوجود "ثقافة متجذرة"، لم تفلح. والأولى إعلان الاستقلال من متحف الفنون، ولنْ تفلح. ثمّ تتالت السرقات ومحاولات الايهام بوجود ثقافة قديمة بمحاولات بائسة بسرقة الثوب الفلسطيني، والأكلات الشعبيّة، والدبكة والموسيقى)

كان المعرضُ مليئًا بالكليشيهات، على الحائط وعلى طاولات وفي صناديق زجاجيّة، قلّبتُ نظري على الكثير. ومطبوعات قديمة، لدعايات المشروبات والأدويّة والشركات، ورسم لخريطة سياحيّة للقدس. مرسومة من اليسار إلى اليمين حتى تطبع من اليمين إلى اليسار، كانت كليشيهات من مواد صلبة بصلابة معنى مُستَملون على لساني، يتوارى المعنى ولا ألتفت له.

المطبوعات التي في القدس، دليل على حضورِ المدينة. كُنت بالكاد أصدق الكليشيهات، من منظوري الذي ضاق بعد عقود من بداية المشروع الصهيوني وفكرة الأسرلة. أتمسك بهذه القطع، لأنني اعتدت أن أسمع بالعاميّة أنّها راحت –عن القدس-. غير الطبيعي فُقدانها، واستعمارها واستبدالُ سُكانها صار طبيعيًا.

في ركن من المعرض، من بين الطاولات التي وضع عليها الكليشيهات، طاولة فيها مجلد ضخم، يحوي جرائد قديمة، صرت بلا وعي أقلّبها، قلبي يدق على عجل ويدي تفتح المجلد صفحة صفحة، حتى لا تتلف الصفحات بين يدي. تذكرت صورة جدي. لم يكن المصوّر يعرف، أنه سيلتقط صورة لجدي يبكي فوق اسمنت بيته دمعًا هو الإرهاق والحسرة. بيته في الجفتلك. ولم تكن أمّي تعرف أنّها بمجرد أن تريني الصورة، ستظل عالقة في رأسي، وأفكّر فيها حتى وهي بين يدي وأنا أطبعها على الماسح الضوئي (لأطبعها وأنساها في إحدى المكتبات مُعتقدة أنّها ما زالت في يدي) ولم أعرف أن أصلَ إلى المكتبة، أو إلى المصوّر لآخذ صورة أصلية، ولم أعرف أنني كنت أتذكر جدي وأنا أقلب صفحات المجلد، لم أعرف. حتى وصلت هذه السطور، لأعرف، نحنُ نوّرَّث ونورِّث النَظرات إنْ لم يتبق شيء.

جدي كان من طبعه، في المرات القليلة التي كنّا نراه، أن يلفنا بعباءته الصوفيّة. وكان يطبع ذلك فينا أثرا في الدفء بالمعنى، أكبر من دفء الصوف الحسيّ. كانت أول مرة أتعلم أن هناك دفء حسي وآخر معنوي، بمُقارنةٍ مباشرة.

قبل عدةِ أشهر، طلبت من فنانٍ شاب، أحبُ أعماله من الأردن، أن يرسم جدي. كنت أنتظر أفضل فرصة خلال –حجر الكورونا-ليرسلها. حسرةُ جدّي ما زالت معلّقة في مرسم الفنان، في الأردن. والآن، قصف وانتفاضة، ونابلس مُغلقة (مُغلقة؟ هذه إشاعة أُخرى؛ نحن من نقرر)

نابلس مختنقة كحنجرة جدي بالغاز والرصاص. أشعر أنّه ما زال يبكي فوق صدري، وصدر المدينة، وفوقَ كل بيتٍ يُهدم.

 

أزحت وجهي عن صورة جدي المطبوعة في ذاكرتي لأكمل الجولة في المعرض. على يميني غرفة، مكتوب على البطاقة التعريفيّة "اترك أثرًا-غرفة تفاعلية"، وكُتب " كان المراقب العسكري الإسرائيلي في فترة الستينات والسبعينات يحذف المقالات التي تُعارض سياسته".

دخلت.

ألصقت نُسخ جرائد قديمة على حيطان الغرفة، احتوت بعض الأعمدة الفارغة أي كان المراقب العسكري يعرف متى تطبع المطبوعات، ويمنعها في الوقت المناسب فلا يجد محررين الجرائد وقتًا للتعديل بتحضير مادة بديلة أو تعويض المساحة الفارغة بإعادة ترتيب توزيع الأعمدة، فتُنشر الجريدة مع مساحةٍ بيضاء للمادة الممنوعة، لكن لا نعرف ماذا تقول.

تُعطينا الغُرفة التفاعليّة المؤقتة قلمًا يعطينا قوةً ما لاستحضار الزمن وتغييره، لإلغاء قوانين حالة الاستثناء لو للحظة نفترضها. لحظة تمرين.

مرة أخرى، بصوتٍ أعلى: من صاحب السيادة؟ من يرفضُ حالة الطوارئ، ويُلغي حالة الاستثناء!

في الممرات، صندوق يحتوي شاشة موصول بها سماعات رأس، يعرض شخصًا يتكلم عن التعليم وتحسّينه (نسيت من، أو يتهيأ لي أنّه لم يذكر اسمه ولم أجد توضيحات حياله)

 في آخر محطة في المعرض، قدم شخصيّة فاطمة المُحِبّ، ولدت عام 1927، في حيّ الشاويش في مدينة القدس (أسأل نفسي عن حيّ الشاويش، تُرى أين هو؟ ماذا يحدث فيه الآن؟) كُتب عنها في الصفحة الثالثة من جريدة البشير المقدسيّة عام 22/4/1972 "حصلت فاطمة المُحب على بعثة لتفوّقها في جامعة إبراهيم باشا -المعهد العالي للفنون الجميلة في مصر، واستكملت دراستها في الولايات المتحدة الأمريكيّة.

رسمت المحب العديد من اللوحات التي عبّرت عن تأثّرها بالمشاهد الطبيعية المحيطة بها. وتخيّلت العديد من القصص التاريخيّة ورسمت شخصياتها في الكتب التعليمية المدرسية التي طُبعت في القدس. عملت المحب في مطابع القدس لفترة من الزمن، وصممت مواد سياحية وأخرى تعليمية ضمن عملها في وزارتي التربية والتعليم والسياحية الأردنيّين."

في آخر الجولة التي لمْ أتنعّم بها، كانت رفيقتي في الخارج ساخطة تُحضّر جرةً تطبعها من مزاجها السيء لتكسرها على رأسي. تناولت الكتيّب، وأعطيتها نسخة بالإنجليزيّة، لن تقرأه على أيّةِ حال.  

عندما خرجت، كانت تُلاحقني جملة هند الحُسيني في دفتر مذكراتها. المطبوعة على حائط المعرض.

هالةُ الكلمات؛ هالتي. يُرعبني ما حَمَلْته؛ ظلٌ أسود.

"وكأنّ الشعب الفلسطيني سوف يُمحى، أو ينقرض، لو مات أولئك"

لمّا قرأتها أول مرة على حائط المُتحف، استدعت ذاكرتي، فقرة، اقتباس من كتاب نيابةً عن موتى فرنسا.

"أجل ما من ميت إلا ويترك دفتر مذكرات ويطالبنا بأن نهتم بها. أما من لا صديق له فيجب أن ينوب عنه القضاء؛ ذلك أن القانون والعدالة أشدّ ثقة من حنان النسَّاء ومن دموعنا سرعانَ ما تجف. وهذا القضاء هو التاريخ"

التاريخ الذي سنكتبه بمقاومتنا حالة الاستثناء، والهرب من الرقابة الاستعماريّة العسكريّة لنكون مبادئ الانتفاضة.

فتحتُ الكتيّب. أخيرًا، المُستملي:

(هو القارئ لمخطوطة الكتاب الأصليّة، ويُمليها على الناسخين، وهو الوسيط بين المؤلف وجمهور قرّاءه.)

التفتُ خلفي لأرى الهالة التي توهّجت. كان المكانُ هادئًا جدًا.

 

 

 

 

 

من هو المستملي؟

من هو المستملي الجديد؟ ماذا يقرأ؟ المخطوطات الأصليّة؟ وكيف يقرأها؟ ثمّ كيف يملي؟ ومن يملي؟ وما هي المطبوعات الجديد؟

حاولت أن أُجيب على السؤال.

عمليةُ الطباعة بكَيْفيتها القديمة وفي شكلها الحالي البسيط، تشتركان بذات العناصر: كاتب، متلقي، والوسيط بين المعلومة وجمهور القرّاء. ومن دون القرّاء، لا تتم أي من العمليتين، لا بشكلها القديم أو الحديث؛ حتى يقوم تعريف المُستملي بشكله الصحيح.

يجبُ أن أُجرّد عملية الطباعة. سأُرجِعُ الكلمةَ إلى أصلها، وسأقرأ من المخطوطات الأصليّة.

في لسان العرب، الطبْعُ والطَّبِيعةُ: الخَلِيقةُ والسَّجيّةُ التي جُبِلَ عليها الإِنسان.

والطَّبْع: ابتداءَ صنْعةِ الشيء، تقول: طبعت اللَّبِنَ طبْعاً، وطَبعَ الدرهم والسيف وغيرهما يطْبَعُه طبْعاً: صاغَه.

والطَّبّاعُ: الذي يأْخذ الحديدةَ المستطيلة فَيَطْبَعُ منها سيفاً أَو سِكِّيناً أَو سِناناً أَو نحو ذلك، وصنعتُه الطِّباعةُ، وطَبَعْتُ من الطين جَرَّةً.

وطَبع الشيءَ وعليه يَطْبَعُ طبْعاً: ختم.

(طبع في السكون)

إذا الطباعة، أصلها من سكون حرف الباء، طبْع. ما جبله الله. أما ما صنع بيد الانسان، فتعني تحويل المادة خام إلى أداة كالسيف والجرّة.

أي تحويلُ المادة إلى صياغةٍ جديدةٍ.

ربما هو ما فعلته المُحب!

 كوّن استثمارها الفن في التعليم لديّ اعتقادًا أنها قامت بعمل المُستملي الجديد.  

التعليم كما هو بطبيعته له مُتلقين وهم الطلاب والطالبات، وأهاليهم. وما قامت به المُحب أنّها نظرت في التاريخ وأعادت رسم أشخاصه مجددًا وقدمتها للأطفال في كتاب تعليمي. ربما، ما قامت به المحب هو عمل المستملي الفنّي والمستملي الجديد. بقراءتها كتب التاريخ واشتغالها عليها فجعلتها مخطوطة فنيّة أصليّة ثم أملته على العاملين في المطبعة. سأحاولُ تعريف المُستملي الجديد، هو الكاتب القارئ للمخطوطات القديمة–المصادر-وإعادة صياغتها بشكل جديد يفهمه القارئ تعطيه قراءة للواقع، أو تدني الماضي للحاضر.

لكن لا يقتصر التعريف لأن عملية المستملي يجب أن تصل إلى الجمهور الذي يستقبل فقط نوعين من الخطاب لا ثالث لهما: إما خطاب يخلق الحاجة لأجل بيع المنتج\أو الخدمة أو تسويق معتقد إما استغلال حاجة لأجل بيع المنتج\أو الخدمة أو تسويق معتقد، والمطبوعات، بشكلها القديم والحديثْ هي الأداة لتحريك الرغبة على سبيل المثال تكون تحت حر الشمس فتصادفك دعاية لمشروبات سحويل وترغب أن ترتوي به. أو على سبيل المثال تقوم الحرب العالمية فتستغل حاجة الناس للهجرة، وفي فترات السلم تخلق الحاجة بإثارة الإرهاب فتعرض فلسطين في النهاية ليتقدم مُهاجرين يهود إليها.

والتحدي أن يختم أيٌّ من كتابتك في ذهن إنسان ما، من بين تلك المطبوعات التي يتلقاها، وأن يَلقاك بين فائض المعلومات ومن بين فائض إنتاجها من مُخرجات –ومعطيات-جديدة. أجل، لا يمكن إخضاع هذا الكم، لا رقابة عسكرية أو غيرها. لكنْ ليس كل ما طُبِع يطْبَعُ في ذهن الإنسان. هُنا يأتي عنصر إضافي للمستملي الجديد: التعامل مع الجمهور، عنصر خلق الخطاب وتحريك الرغبة كتابةً وعملًا، والتحايل، بسبك العبارات، وحُسن التعبير، والعمل على صقل أدوات نقديّة ومهارات سلوكيّة أمام الجمهور. لذا مهمة المستملي الجديد، مثل صعوبة ودقة وملل عملية الطباعة القديمة.

الطباعة في شكلها القديم خطيرة إلى حد تحريك مُهاجرين واقناعهم بقصةٍ ما.

الطباعة في شكلها الجديد خطيرة حتى يصل إلى التطبيع.

(طبع في الكسر)

طَبِعَ الثوبُ طَبَعاً: اتَّسَخَ. ورجل طَبِعٌ: طَمِعٌ مُتَدَنِّسُ العِرْضِ ذو خُلُقٍ دَنيء لا يستَحْيي من سَوأَة

والمُطَبَّع: الذي نُجِّسَ.

وهي الكلمة الأدق والأصح في اعتقادي لوصف التعاون أو الاشتراك أو التعامل أو دعم بالصهيونية بدل اشتقاقها من كلمة طبيعي. فالقصد شتم الشخص، أي أنّ الكلمة تدل على شعورٍ قلبيّ أكثر من وصف فعل. أجل، هذا قاموسنا! 

(في حديث الدُّعاء)

 اخْتِمْه بآمينَ فإِنّ آمينَ مِثْلُ الطابَعِ على الصحيفة؛ يريد أَنه يَخْتِمُ عليها وتُرْفَعُ كما يفعل الإِنسان بما يَعِزُّ عليه.

 

 

 

أشرتُ على رفيقتي أنّ في المتحف مكان جيد لأخذ صورة تطبعها على يومياتها في فيس بوك.

التقطنا صورًا أمام عمل تفاعلي، شاشةُ عرضْ تظهر عبارة

 "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

يمكن تغيير الخط من لوح ذكي أمام شاشة العرض.

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

 

  

آمين. 

تلفّتُ حولي كمن يبحث عن شيء. تلفّت حولي كمن يحاول أن يقابل وجهًا، ولما هممنا بالخروج أسرعتُ قليلًا؛ ظننت أنني أريد تخطي ضيق المكان من الحشود. لكنّه مكان هادئ. مكان هادئ؛ مكان مخيف جدًا.