الجمعة، 25 ديسمبر 2020

أيتها الراقصة، ارقصي عنا جميعاً


 

 الراقصة مرمر جولاني

فيلم الراعية 2019 –فيلم قصير، مدة العرض11:22دقيقة. إخراج فداء عطايا. عرض في مدرسة نابلس للفنون الأدائية(جمعية السيرك الصغير، 20 تشرين الثاني 2020) 






مهرجان مؤسسة شاشات الحادي عشر عرض عشرة أفلام قصير تبحث في أبعاد الهوية على المرأة الفلسطينية، فكان عنوان المهرجان أنا فلسطينية، والأفلام من صنع مُخرجات فلسطينيات، أنتجت في 2019. الجدير بالذكر أنها تعرض في ذات الوقت في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ يتوحد بذلك شطري الوطن من حيث الرؤية السينمائية، لا يفرقنا.."حدود". ضمن المجموعة خمسة مشاركات من الضفة الغربية، ومشاركة من القدس، وأربعة من قطاع غزة. –من الكتيّب

شعار المهرجان "أنا" كبيرة قريبة لكلمة فلسطينية التي كتبت بخط أرق منها وبجانبها شجرة لحائها تضخم ليصير وجهاً.

شاهدت أول فيلم قصير على قائمة الأفلام من السلسلة واسمه "الراعية"، إعداد وإخراج فداء عطايا، هي حكواتيّة أيضاً وتدق الدف. ماذا تكون الهوية لامرأة لم تعرف سوى رعي الأرض؟ هل امرأة لم تعرف سوى رعيّ الأرض ستعرف فلسطين؟

مدة الفيلم احدى عشرة دقيقة، لا أذكر سماع موسيقى تصويرية، إنّ حاسة البصر فقط تتبعت ذهاب الراعية حيث كانت في الأغوار الشمالية، تعيش بين عين الحلوة وعين المالحة. وأرتنا الراعية حول بيتها وتمشينا معها وكانت تتفقد الأشجار وتفقدت الأحجار وما تحتها وكأنها تحادثهم، تعرف قصة كل حجر وعن أي صخرة تفتت ومن أي تلة تدحرج. هكذا تحكي عنها فداء عطايا، وأما النهر فهناك تشيح النظر عنه، أو تقف من بعيد وتنظر إليه، فيتبخر جسدها مثلما يجف النهر، وتظل روحها. هنا نرى روحها.

روحها امرأة شابة، راقصة، حين وقفت الراعية أمام الشمس اختفت الراعية وحلت محلها الراقصة، تمسك بأيديها الشمس وتحاول إبعادها، تمد ذراعيها لأعلى، وتحركهما مُتضايقة وتنحني بجسدها يمينا ومرةً يساراً، أقولُ هي تشيح حرارتها عن المياه حتى لا تجففها كما يجففها الاحتلال.

في الليل تشعل النار، فداء ترينا القمر، حيث تنظر الراعية. روحها الراقصة ترقص حول النار، الكلمات التي تحكيها فداء، كأن الراقصة سمعتها لتوها. يلتصق جسدها بالأرض، ترقص حزناً وغضباً، تحاول النهوض، لكن لا جدوى. ومثلاً عندما تحكي الحكواتية عن التشبث بالأرض تدق الراقصة بأيديها على الصخور كأنها نسر يريد أن يخلق لنفسه عُمراً جديداً بحدّ أظافر قدميه. الحكواتية اختارت الشخصية التي لا تستطيع أن تتحدث؛ لتتحدث عن القصة التي يأكلها الوقت في كل مرة ينمو لسانها.

في الأغوار الشمالية، وبين عين الحلوة وبين المالحة، مسافة طويلة جداً، من المزروعات الممتدة في صفوف مرتبة، ومساحات مسروقة من قبل الاحتلال بحجج أمنيّة ونسبتها 87% من مساحة الأغوار، واستغلال ماءها. مساحة كبيرة جداً، وتتساءل المخرجة متى سيصير كلام الراعية المالحة حلواً. وللناظر أن يرى من مكان أعلى أنها أكثر من تلك النسبة، حيث صدر قرار في نهاية 2019 أن تفرض السيادة الإسرائيلية في مجال الطرق على الضفة الغربية، أي ما لم يستحوذ أمنياً، فإن مناطق سي/جيم -وهي مناطق حسب اتفاقية أوسلو تحت يد الاحتلال إدارياً -ستنقل إلى الإدارة المدنية لوزارة المواصلات والنقل على الطريق الإسرائيلية ويعني ذلك اكساب صفة الاحتلال في تلك المنطقة إلى صفة مدنية، وربما هذا خرق آخر لاتفاقية أوسلو يحدث منذ 25 سنة؛ يجب البحث فيه. وأمرٌ آخر، أنه على المدى البعيد وفق الاستراتيجية الجديدة للوزارة ستكون الطرق التي تحمل صفة الإدارة الإسرائيلية مشرفة على محلات الضفة الغربية ومن ثمّ أن تلك المحلات تطل على الشوارع الإسرائيلية. مما يعني ضمناً أنّ مثل هذا القرار الصغير من وزارة صغيرة، شيء يشابه صفقة القرن في مخيلتنا، وهو الضم، وهو ما حدث حيث حولت صفة الاحتلال وأكسبتها الصفة المدنية، أي أخرجتها من قانون كامل، وهو القانون الدولي الإنساني الذي يتعلق بالنزاعات المسلحة، حيث سنتغلغل بالطرق الإسرائيلية في أقرب وقت. أليسَ نحن أوجب في النظر لكل ما يحمينا؟

أيتها الراقصة ارقصي عَنّا جميعاً.

امرأة وروحها تحاولان النهوض وتقابلان في وجهيهما الطبيعة الصحراوية: الماء، الرمل، الصخرة، الشجرة، والقمر، وعصف الرياح البارد، الذي ألبسهما الغبار، والدمع، فأشعلتا لهم النار. القمر يتوسط المشهد في السماء. لم تغنِّ الروح ولم تحكِ ولم تنوح، فقط رقصت، كأنّه فعلٌ مجرد، كلمة لا تحتوي الزمان. أّنه يسمى رقصاً مُعاصراً، إلا أنه بدا ككتابة هولوجرافية تكتب على حائط من الهواء بحضور هذه البيئة البدائية. رقصة قبل معرفتنا للزمان، بدا كأنها امرأة تعبد عشتار، الإلهة، القمر، كانت رقصة صلاة لترجع للنساء القوة السلطة الكلمة، للنساء جميعاً. ليس مثل أن يكون اسم الفيلم الراعي، ويعرض أوجاع روحه، راقص، لكانت تبدو قصة راعي عادية، مثل تلك التي تذاع في الأخبار عن رجل فقد مصدر قوّته وقوته. لكن الأمر أيضاً متعلق في النساء كأن لم تروَ القصة كاملة من امرأة قط، لذا اختارت الحكواتية أن تحكيها، هذا الفيلم القصير يصوّرها، ويواريها. ليس عن الفلسطينيات فحسب، شكلا؛ تحكي قصة تمني أن يرجع زمن قديم حيث القوة للنساء، استكمالاً للمشهد ربما المرأة الفلسطينية تتمنى أن تصير عملاقة بقوة الإلهة فتدمر كل ما بين المسافات، أعتقد أنّها تخيلت ذلك، لقد رأيتها تدمع بعد أن أرتنا القمر، وجف النهر، فهطل المطر وأغرق الشاشة حتى نصفها، وهو الشيء الوحيد الذي لم يبدُ منطقياً، لتصير المعجزة وتندمج مياه عين الحلوة ومياه المالحة معاً دون أن تعيق هذا الاندماج حواجز، أو يشربها مستوطنون جياع -في آخر دراسة عن استهلاك المياه في اسرائيل، يستهلك الفرد الإسرائيلي مقارنة بالفلسطيني ثلاثة عشر ضعفاً رغم أنّها نفس مصادر المياه لا غيرها- لكن نستهلك مطر حتمية الأمل أكثر بكثير، حيث نغرق نصف الشاشة.  

أنا للحقيقة وقبل البدء في الكتابة، كلما كانت تقول "عين الحلوة" مباشرةً يذهب خاطري إلى دمنا في الجليل الذي هجّر إلى مخيم في لبنان، ليت تحصل معجزة أن يشتي النهر في مخيم عين الحلوة، وتحال قطعة الأرض موجةً أرضيّة أو تصير سفينة توصلهم حتى الجليل، وقماش الخيمة القديمة يصير علمها ونرجع؛ لأن الراعية أم، تجلس إلى النار وتفكر في أطفال أبعد من الأطفال الذين حملتهم، والأطفال الذين رأتهم. 




 

الأحد، 1 نوفمبر 2020

تتبع حق تقرير المصير

 

التتبع التاريخي لمبدأ حق تقرير المصير

الأمم المتحدة للتصويت في حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني المحتل 


  قطع من الأحداث التاريخية أدت إلى تشكيل وإخراج مصطلح حق تقرير المصير من بين سطور الثورات، وتعاقب تلك الأحداث أدى إلى رسوخها وتعدد فهمنا لها بحسب البيئة التي خرجت منها، وبعد الهدوء النسبي في الإطار الدولي فرست على ما اكتسبته من معان ٍ لكن ما نعتقد بأنها ستتغير وتتطور مع تغير الظروف الدولية في الأجيال القادمة.

  بداية تلك البذور أتت من محاولات الفلاسفة في تعريف الحرية، وهو ليس موضوع حديثنا، لكنه مرتبط بعدما تكونت الدول فأصبحت الدولة شخص اعتباري قانوني، يمثل الفرد الذي يسعى لها، ومن تلك التقاطعات نشأ القانون الدولي العام، الذي عرفه Alf Ross عام 1946  هيكل من القواعد القانونية الملزمة بعلاقة الدول مع بعضها البعض، وذلك التعريف نشأ من افتراضه أن القواعد القانونية لم تأتي من الهواء، بل هي مرتبطة اتصالاً بما يعرف النظام القانوني لمجموع مجتمعات الإنسان، القانون الدولي مرتبط بمجتمع محدد وهو مجتمع الدول (society of states) . ولأن أفكار الفرد تأثر على الغير، فالمجتمع فما يحيطه، نرى أن الحرية الفردية هي الأصل الذي رجع منه حق تقرير المصير.

  وتراكم ردود الفعل التي نشأت في القرون الوسطى عن حق الملوك الإلهي ،الذي كان يكرس إرادة الملك وحدة على أنها من الله مباشرةَ، فكانت البداية بالثورة المجيدة الإنجليزية ونتيجتها إعلان الحقوق عام 1689 حيث تم الاتفاق بين الشعب والملك على ألّا يتعدى على حقوق الشعب، وأن سلطته مستمدة من الشعب الممثل بالبرلمان.

  الثورة المجيدة كانت تعطي فكرة أن السيادة للشعب وهو جزء من حق تقرير المصير، لكن ما أضافه استقلال أمريكا عام 1776 كان مختلفاً قليلاً، إذ كانت المستعمرات الثلاثة عشر التي شكلت وجه الولايات المتحدة ويسكنها أوروبيين تابعة لبريطانيا العظمى على أنها البلد الأم للمواطنين الجدد. حدث خلاف لعدة أسباب خلاف بريطاني وأمريكي بريطاني في فهم دستور الثورة المجيدة، ولم يوجد ممثل حقيقي لتلك المستعمرات في البرلمان البريطاني، ولأن كل انسان يتمتع بسلطة يسيء استعمالها حتى يأتي من يوقفه عند حده، استبدت بريطانيا بوضع قوانين جديدة وفرض ضرائب.

  في دستور بريطانيا وقت إذ أن البرلمان له السلطة على الإمبراطوية، إذا ما يقوم به البرلمان هو عمل دستوري، لذلك قامت ثورة أمريكا، وتم الاعتراف عام 1783 في معاهدة باريس أن بريطانيا العظمى كانت استعماراُ !! أي تبرأت تماماً من الحكومة لأنها لم تكن تمثلها، بل وأسقطت وصف الاستعمار على فترة حكمها.

   وهذه نقطة جديدة تضاف لمضمون حق تقرير المصير إذ جاء في إعلان الاستقلال "الناس خلقوا متساوين، الله أعطى تلك الحقوق التي من غير الممكن أن تتغير، وهي الحق في الحياة، والحرية، والحق في السعي وراء السعادة(...)والحكومة عندما تأتي لتدمير هذه الحقوق، يمكن للناس تغييرها أو إلغاءها، وتأسيس حكومة جديدة(...) وتوفير حراس جدد لمستقبلهم."

 وتلتها الثورة الفرنسية 1789 وأكدت على مخرجات الثورة الأمريكية في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الجمعية الوطنية في 26 أغسطس 1789 كل سلطة ليست من الشعب هي سلطة فاسدة، كما أنها أزاحت فكرة حق الملوك الإلهي.\\ملاحظة عن الفيلسوف مونتسكيو في المذيلة

  في تلك النصوص لم يذكر مصطلح حق تقرير المصير بذاته، بل قامت تلك الأحداث بتأطير فروع حق الإنسان، كما في النص السابق، وفي إعلان حقوق الإنسان والمواطن التي قضت بحق الملك، وحق الأمن، وحق المقاومة من الاستبداد والظلم.

  ولأنه لا يجدر في كل مرة تظهر فيها حركة تحرر  نحاول أن نستخلص هذا الحق من المفاهيم العامة للقوانين، كما قال لينين، وعرفه كالآتي "الانفصال السياسي لهذه الأمم من الهياكل القومية الغريبة، وتشكلها لدولة قومية مستقلة" وكان من أوائل من نادى بهذا الحق وإعطاءه للأقليات وحدد تعريفا له، فكانت الثورة البلشفية أكثر تأثيرا في ظهور هذا المصطلح خاصة، وجاء صراحة في المادة الثانية من إعلان شعوب روسيا 1917  "حق شعب روسيا فيحرية تقرير المصير، متضمنا ذلك حرية الانفصال وتشكيل دولة مستقلة.

 -1-

من هنا بدأ ينشأ على الساحة الدولية، عندما ذكر صراحة وعززه تصريح الرئيس الأمريكي ووردو ويلسون في المبادئ الأربعة عشر  التي وضعها حتى يجد حلا للصراعات التي نشأت، للسلام، قال في خطابه بتاريخ الثامن من كانون الثاني 1998، وذكر منها في المادة رقم عشرة واثني عشر، منح القوميات الخاضعة للإمبراطورية النمساوية حق تقرير مصيرها"، " ضمان سيادة الأجزاء التركية وإعطاء الشعوب الأخرى الشعوب الأخرى غير التركية التي تخضع لها حق تقرير المصير".

 وأعطي طابعا سياسيا أكثر من قانوني. لكن تم تحويل هذا المفهوم بعد ابتكار نظام الانتداب من قبل عصبة الأمم، فتم اعتبار أن من يستحق تقرير المصير الدول الاوروبة أما الدول غير الاوروبية عليها الرعاية والإرشاد حتى تستطيع أن تستقل بنفسها، حتى في ظل الأمم المتحدة أخذت نفس الاعتبار.

\\ملاحظات للنفس\\

·        وبما أن الدستو ر هو من يعطي هذا الحق أصبح الأمر باتفاق مسبق وليس بإرادة منفردة من الجماهير، وليس انفصالا في حد ذاته. -عبدالفضيل إكنديل، الحكم الذاتي - المبادرة المغربية بشأن الصحراء كتعبير عن تقرير المصير، ص41ص42

\\مثال يوغسلافيا جيث أن الجأمم المتحد ة بعضوية الدولة الجديدة إلا بعد تعديل الدستور اليوغسلافي سنة 1992 والتصريح باحترامها لاستقلال الدول المنبثقة عنها.

\\ملاحظة من الغريب اعتباره اتفاق مسبق وليس ارادة منفردة، بل إرادة الأجيال السابقة هي من فرضتها، ثم أصبح أمرا واجب أن ينتزع حتى يكون من الدستور. وعدم انتزاعه يعد خرقا للقانون الدولي --لا لاء محكمة العدل الدولية قالت لا يعد اختراقا للقانون الدولي \\"ردود فعل بشأن كوسوفو

مرحلة النشوء ((مابعد الثورة البلشفية، مبادئ ويلسون والاتفاقيات، والجمعية العامة لجنة ضد التمييز العنصري))

\\مرحلة مرحلة التطور؟ ما هي؟ القانون الناعم ؟

عبارة عن السوابق القضائية التي جعلت لتقرير المصير ضوابط. والقانون الناعم؟

 

السبت، 11 أبريل 2020

(معرض مدى البرتقال) سؤال في الهوية: ما مدى ذاكرة البرتقال؟



جمل المخاوف


    يقول رواة الحكايات من يصل للامكان لا يرجع ببساطة، سأبدأ لك حيث وصلت، ولا أعلم إن كنت رجعت في النهاية أساساً. فآنست نفسي وجعلت من اللامكان مكاناً آلفه، البلدة القدمية في نابلس. وكان ذهني قد ترتب على رؤية الملصقات، وقدمي كانت ثقيلة عند كل ملصق. البلد معبأة منها، إن طرزت معاً تغلفها. وهي على نمط واحد: الشهيد في مركز الملصق أو على طرفيه بالموازاة: يحمل سلاحاً، بالعادة لن يُتاح له التقاط مثل هذه الصورة، بل حمّل هذا السلاح من خلال برنامج تعديل الصور، وبالعادة يرتدي الزي المدني. أحياناً فقط بكوفيته، ولون الخلفية حمراء، أو بيضاء، أو صورة قبة الصخرة. وأعلاه اسم الفصيل الذي انتمى إليه الشهيد. بدأ يتفادوني الناس مارين من خلفي مُزعَجين من خطواتي البطيئة، بادئ الأمر هكذا ظننت. لم أحرك ساكناً، أظنني كسرت سحراً. لم أعد أرَ أشجاراً أو لون السماء، الأرضيّة انقلب لونها. لونها ليلكي. وصعد يتبخر من الأرضيّة المبلطة إلى أن حوانا الضباب. كل الأرجل أصواتها بين الضباب ما عدا الرقعة تحت قدماي مضيئة، أضاءها قلب البرتقال، لم أنتبه أنها كانت بيدي. تكثّف بين الضباب ضبابٌ ركض خلفي، وجوه وخوذ جنود تلحقني، ركضت خلفي الوجوه رمتني بخوذها قنابل أغمضت الطريق. يمدون أيديهم، يتوهج قلب البرتقال، أرى. ارتداني الفزع، علا بي بنفسه حتى طول المشربيات، وراح يركض بين الحارات. علا غناء من المشربيات، أغاني الحصاد من رجال يلتقطون الضباب.

   ورجعت تتكثف الوجوه المُستغيرة، إذ تعطل الزمان فجأة انفضت، ليلفظني من جمل المخاوف هذه ويرجعني حيث كنت، رُدت للوراء متراً إثر توقف الزمن فأصبح وجهي ملصقاً على جدار، كما اختفت البرتقالة في تشققاته، صرت جزءاً منه، ظلُّه والشجرة قربه رفيقاي، إلى حين يأتي مجموعة من الشباب ويلصقوا الباب الذي أتيت منه. مروا، تجمعوا عندي، حلّوه من لفافته. دبَقُ اللاصق على جسدي. وألصقوه.

   ملصق لوحة "فلسطين، 1978" امرأة تحمل البرتقال بين يديها، فوق بطنها، ثوبها أزرق سماوي مطرز من جيب العنق حتى أوسطه، خلفها مشهد طبيعي لبيارة البرتقال، وزوج من المزارعين أسفل كل شجرة يمدون أيديهم في جيوبها. صار المكان الذي احتفظ بجسدي معتماً، غُصت في الجدار أنجد نفسي من العتمة، مثل حالة ولادة، نزلت من رأسي، وقدماي علقتا. الملصقُ هو هوَ أمامي، مع مجموعة ملصقات أخرى. معلق في الهواء بخيطين رفيعين من السقف، أنزلت قدمي فقفز وتأرجح. قمت. إنّه المتحف الفلسطيني-بيرزيت.

 لمَ أتأمل في شيء من المفترض أنني أعلمه؟ تقول لي اللوحة أنّ هذه فلسطين، حسناً إذا كنت أعلمها لماذا أتأملها، لماذا تصر عيني أن تنظر إليها؟ وكانت تحت عنوان "رَدُّ البرتقال". بجانبها خمس مجموعات أخرى تشاركها فضاء المتحف وواحدة عن يسارها. اثنين وثلاثين ملصقاً سياسياً، مررت بها. سكبت عليّ مشاعر دفأتني وأنضجت يدي، وحالما أمسكت الملصق، كالذي يتفحص قطعة قماش، سما الشجر نحوي وأخذني، وأخذني هنالك.
من الملاحظ أنّ معظمها مذيلة باتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين والمجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر، أي في الثمانينات والبقية في الستينات، والسبعينات. وأن أهم حدث حينها يوم الأرض، برز من خلالها المشهد الطبيعي.

أشعرتني بالارتباك، لي ملء الحق أن أسأل لماذا لم أرَ مثلها ذي الأيام أو شبيهاً لها؟



منها ما كان في الشتات مثل ملصق تل الزعتر.


(خلفية الملصق صفراء، وخطوط حمراء عريضة والكتابات:
"سيبقى رمزاً للصمود الفلسطيني"

وأيادٍ ثلاثة عملاقة تأخذ تحمل ثلاث أسلحة ترفعها مكان الشمس على مخيم تل الزعتر.

 "مزيداً من القبضة الفولاذية على هذا البنادق صانعة الانتصارات وحامية الشعب" اللون الأصفر والأحمر، يعكسان دلالات شمس الحرية والقوة)






تاريخ سليمان منصور يذكر أنّه همّ بجعل لوحاته ملصقات على الجدران مع فنانين آخرين، وتوزيعها. وضع الاحتلال أجسادهم في المعتقل، لصد هذه التحركات، ووصل بالاحتلال أن منع استخدام ألوان: الأسود، والأحمر، والأخضر. الألوان، عندما تخرج من فرشاة الفنان، يذمّها العدو؛ تظهر لونه كما تجعله شاحباً. 

   وقفت أمام شجرات، أقصد ملصقاً، لهنّ وجوه يابسات ملثّمة تحمل -أظن أنه -كلاشينكوف، ووقفت مثلها، أنظر لأضواء الشمس عكست لوناً من اسم المعرض. كان من الممكن أن أستريح هنا إلى الأبد إذا عاهدتني لحظةُ ما بعد العصر الاستمرار إلى الأبد.

 "مدى البرتقال" حلقة وسيطة بين المعرض السابق "اقتراب الآفاق" والمعرض التالي "طُبع في القدس"، الأخير يستحضر تراثنا أيام الانتداب البريطاني. أما الحلقة الوسيطة، فهي من مقتنيات المتحف الدائمة، سبع مجموعات، لرحلة بصرية في المشهد الطبيعي من خلال الملصقات، كل واحدة تحملُ رمزاً بصرياً على سبيل المثال البرتقال، وشقائق النعمان. بغض النظر عن ترتيبها، ما الهدف من وجودها في المتحف بالرغم من قربها الزمني؟

تعطي انطباعاً للطلاب والطالبات والزوّار، أنّها قديمة، أعتقد. وفي نفس الوقت تعرض علينا لترينا التغيرات في المشهد الطبيعي الفلسطيني؛ كأننا الآن في مرحلة جديدة.

أو قد أضع افتراضاً، هو أنّا فقدناها من أفق رؤيتنا سابقاً والآن نحن نسترد مقتنياتنا فنعرضها. وإن صح، فإنه يعيدنا إلى "كأننا في مرحلة جديدة" لكن بطريقة أخرى حيث اهتدينا وبدأنا البحث عمّا مضى. سؤال في الهوية، ما مدى ذاكرة البرتقال؟ هل يستطيع متحف تأسس عام 2016 أن يمتلك مقتنيات أبعد من الانتداب البريطاني ليشكل تاريخ الذاكرة الفلسطينية؟ دون أن ينخدع بتكوين هوية مُضادة للاحتلال؛ فهو يسرق البرتقال، ورمزه، فيرد المتحف بإرجاع رمز البرتقال. حتى نصبح بعد سنوات شبيهين، نسختين، لا يستطيع طرف ثالث التفريق بيننا.