![]() |
| الراقصة مرمر جولاني |
فيلم الراعية 2019 –فيلم قصير، مدة العرض11:22دقيقة. إخراج فداء عطايا. عرض في مدرسة نابلس للفنون الأدائية(جمعية السيرك الصغير، 20 تشرين الثاني 2020)
مهرجان
مؤسسة شاشات الحادي عشر عرض عشرة أفلام قصير تبحث في أبعاد الهوية على المرأة
الفلسطينية، فكان عنوان المهرجان أنا فلسطينية، والأفلام من صنع مُخرجات
فلسطينيات، أنتجت في 2019. الجدير بالذكر أنها تعرض في ذات الوقت في الضفة الغربية
وقطاع غزة؛ يتوحد بذلك شطري الوطن من حيث الرؤية السينمائية، لا يفرقنا.."حدود".
ضمن المجموعة خمسة مشاركات من الضفة الغربية، ومشاركة من القدس، وأربعة من قطاع
غزة. –من الكتيّب
شعار
المهرجان "أنا" كبيرة قريبة لكلمة فلسطينية التي كتبت بخط أرق منها
وبجانبها شجرة لحائها تضخم ليصير وجهاً.
شاهدت
أول فيلم قصير على قائمة الأفلام من السلسلة واسمه "الراعية"، إعداد
وإخراج فداء عطايا، هي حكواتيّة أيضاً وتدق الدف. ماذا تكون الهوية لامرأة لم تعرف
سوى رعي الأرض؟ هل امرأة لم تعرف سوى رعيّ الأرض ستعرف فلسطين؟
مدة
الفيلم احدى عشرة دقيقة، لا أذكر سماع موسيقى تصويرية، إنّ حاسة البصر فقط تتبعت
ذهاب الراعية حيث كانت في الأغوار الشمالية، تعيش بين عين الحلوة وعين المالحة. وأرتنا
الراعية حول بيتها وتمشينا معها وكانت تتفقد الأشجار وتفقدت الأحجار وما تحتها
وكأنها تحادثهم، تعرف قصة كل حجر وعن أي صخرة تفتت ومن أي تلة تدحرج. هكذا تحكي
عنها فداء عطايا، وأما النهر فهناك تشيح النظر عنه، أو تقف من بعيد وتنظر إليه،
فيتبخر جسدها مثلما يجف النهر، وتظل روحها. هنا نرى روحها.
روحها
امرأة شابة، راقصة، حين وقفت الراعية أمام الشمس اختفت الراعية وحلت محلها
الراقصة، تمسك بأيديها الشمس وتحاول إبعادها، تمد ذراعيها لأعلى، وتحركهما
مُتضايقة وتنحني بجسدها يمينا ومرةً يساراً، أقولُ هي تشيح حرارتها عن المياه حتى
لا تجففها كما يجففها الاحتلال.
في الليل
تشعل النار، فداء ترينا القمر، حيث تنظر الراعية. روحها الراقصة ترقص حول النار، الكلمات
التي تحكيها فداء، كأن الراقصة سمعتها لتوها. يلتصق جسدها بالأرض، ترقص حزناً وغضباً،
تحاول النهوض، لكن لا جدوى. ومثلاً عندما تحكي الحكواتية عن التشبث بالأرض تدق
الراقصة بأيديها على الصخور كأنها نسر يريد أن يخلق لنفسه عُمراً جديداً بحدّ أظافر
قدميه. الحكواتية اختارت الشخصية التي لا تستطيع أن تتحدث؛ لتتحدث عن القصة التي يأكلها
الوقت في كل مرة ينمو لسانها.
في
الأغوار الشمالية، وبين عين الحلوة وبين المالحة، مسافة طويلة جداً، من المزروعات
الممتدة في صفوف مرتبة، ومساحات مسروقة من قبل الاحتلال بحجج أمنيّة ونسبتها 87%
من مساحة الأغوار، واستغلال ماءها. مساحة كبيرة جداً، وتتساءل المخرجة متى سيصير
كلام الراعية المالحة حلواً. وللناظر أن يرى من مكان أعلى أنها أكثر من تلك
النسبة، حيث صدر قرار في نهاية 2019 أن تفرض السيادة الإسرائيلية في مجال الطرق
على الضفة الغربية، أي ما لم يستحوذ أمنياً، فإن مناطق سي/جيم -وهي مناطق حسب
اتفاقية أوسلو تحت يد الاحتلال إدارياً -ستنقل إلى الإدارة المدنية لوزارة
المواصلات والنقل على الطريق الإسرائيلية ويعني ذلك اكساب صفة الاحتلال في تلك
المنطقة إلى صفة مدنية، وربما هذا خرق آخر لاتفاقية أوسلو يحدث منذ 25 سنة؛ يجب
البحث فيه. وأمرٌ آخر، أنه على المدى البعيد وفق الاستراتيجية الجديدة للوزارة
ستكون الطرق التي تحمل صفة الإدارة الإسرائيلية مشرفة على محلات الضفة الغربية ومن
ثمّ أن تلك المحلات تطل على الشوارع الإسرائيلية. مما يعني ضمناً أنّ مثل هذا
القرار الصغير من وزارة صغيرة، شيء يشابه صفقة القرن في مخيلتنا، وهو الضم، وهو ما
حدث حيث حولت صفة الاحتلال وأكسبتها الصفة المدنية، أي أخرجتها من قانون كامل، وهو
القانون الدولي الإنساني الذي يتعلق بالنزاعات المسلحة، حيث سنتغلغل بالطرق
الإسرائيلية في أقرب وقت. أليسَ نحن أوجب في النظر لكل ما يحمينا؟
أيتها
الراقصة ارقصي عَنّا جميعاً.
امرأة وروحها تحاولان النهوض وتقابلان في وجهيهما الطبيعة الصحراوية: الماء، الرمل، الصخرة، الشجرة، والقمر، وعصف الرياح البارد، الذي ألبسهما الغبار، والدمع، فأشعلتا لهم النار. القمر يتوسط المشهد في السماء. لم تغنِّ الروح ولم تحكِ ولم تنوح، فقط رقصت، كأنّه فعلٌ مجرد، كلمة لا تحتوي الزمان. أّنه يسمى رقصاً مُعاصراً، إلا أنه بدا ككتابة هولوجرافية تكتب على حائط من الهواء بحضور هذه البيئة البدائية. رقصة قبل معرفتنا للزمان، بدا كأنها امرأة تعبد عشتار، الإلهة، القمر، كانت رقصة صلاة لترجع للنساء القوة السلطة الكلمة، للنساء جميعاً. ليس مثل أن يكون اسم الفيلم الراعي، ويعرض أوجاع روحه، راقص، لكانت تبدو قصة راعي عادية، مثل تلك التي تذاع في الأخبار عن رجل فقد مصدر قوّته وقوته. لكن الأمر أيضاً متعلق في النساء كأن لم تروَ القصة كاملة من امرأة قط، لذا اختارت الحكواتية أن تحكيها، هذا الفيلم القصير يصوّرها، ويواريها. ليس عن الفلسطينيات فحسب، شكلا؛ تحكي قصة تمني أن يرجع زمن قديم حيث القوة للنساء، استكمالاً للمشهد ربما المرأة الفلسطينية تتمنى أن تصير عملاقة بقوة الإلهة فتدمر كل ما بين المسافات، أعتقد أنّها تخيلت ذلك، لقد رأيتها تدمع بعد أن أرتنا القمر، وجف النهر، فهطل المطر وأغرق الشاشة حتى نصفها، وهو الشيء الوحيد الذي لم يبدُ منطقياً، لتصير المعجزة وتندمج مياه عين الحلوة ومياه المالحة معاً دون أن تعيق هذا الاندماج حواجز، أو يشربها مستوطنون جياع -في آخر دراسة عن استهلاك المياه في اسرائيل، يستهلك الفرد الإسرائيلي مقارنة بالفلسطيني ثلاثة عشر ضعفاً رغم أنّها نفس مصادر المياه لا غيرها- لكن نستهلك مطر حتمية الأمل أكثر بكثير، حيث نغرق نصف الشاشة.
أنا للحقيقة وقبل البدء في الكتابة، كلما كانت تقول "عين الحلوة" مباشرةً يذهب خاطري إلى دمنا في الجليل الذي هجّر إلى مخيم في لبنان، ليت تحصل معجزة أن يشتي النهر في مخيم عين الحلوة، وتحال قطعة الأرض موجةً أرضيّة أو تصير سفينة توصلهم حتى الجليل، وقماش الخيمة القديمة يصير علمها ونرجع؛ لأن الراعية أم، تجلس إلى النار وتفكر في أطفال أبعد من الأطفال الذين حملتهم، والأطفال الذين رأتهم.


