السبت، 11 أبريل 2020

(معرض مدى البرتقال) سؤال في الهوية: ما مدى ذاكرة البرتقال؟



جمل المخاوف


    يقول رواة الحكايات من يصل للامكان لا يرجع ببساطة، سأبدأ لك حيث وصلت، ولا أعلم إن كنت رجعت في النهاية أساساً. فآنست نفسي وجعلت من اللامكان مكاناً آلفه، البلدة القدمية في نابلس. وكان ذهني قد ترتب على رؤية الملصقات، وقدمي كانت ثقيلة عند كل ملصق. البلد معبأة منها، إن طرزت معاً تغلفها. وهي على نمط واحد: الشهيد في مركز الملصق أو على طرفيه بالموازاة: يحمل سلاحاً، بالعادة لن يُتاح له التقاط مثل هذه الصورة، بل حمّل هذا السلاح من خلال برنامج تعديل الصور، وبالعادة يرتدي الزي المدني. أحياناً فقط بكوفيته، ولون الخلفية حمراء، أو بيضاء، أو صورة قبة الصخرة. وأعلاه اسم الفصيل الذي انتمى إليه الشهيد. بدأ يتفادوني الناس مارين من خلفي مُزعَجين من خطواتي البطيئة، بادئ الأمر هكذا ظننت. لم أحرك ساكناً، أظنني كسرت سحراً. لم أعد أرَ أشجاراً أو لون السماء، الأرضيّة انقلب لونها. لونها ليلكي. وصعد يتبخر من الأرضيّة المبلطة إلى أن حوانا الضباب. كل الأرجل أصواتها بين الضباب ما عدا الرقعة تحت قدماي مضيئة، أضاءها قلب البرتقال، لم أنتبه أنها كانت بيدي. تكثّف بين الضباب ضبابٌ ركض خلفي، وجوه وخوذ جنود تلحقني، ركضت خلفي الوجوه رمتني بخوذها قنابل أغمضت الطريق. يمدون أيديهم، يتوهج قلب البرتقال، أرى. ارتداني الفزع، علا بي بنفسه حتى طول المشربيات، وراح يركض بين الحارات. علا غناء من المشربيات، أغاني الحصاد من رجال يلتقطون الضباب.

   ورجعت تتكثف الوجوه المُستغيرة، إذ تعطل الزمان فجأة انفضت، ليلفظني من جمل المخاوف هذه ويرجعني حيث كنت، رُدت للوراء متراً إثر توقف الزمن فأصبح وجهي ملصقاً على جدار، كما اختفت البرتقالة في تشققاته، صرت جزءاً منه، ظلُّه والشجرة قربه رفيقاي، إلى حين يأتي مجموعة من الشباب ويلصقوا الباب الذي أتيت منه. مروا، تجمعوا عندي، حلّوه من لفافته. دبَقُ اللاصق على جسدي. وألصقوه.

   ملصق لوحة "فلسطين، 1978" امرأة تحمل البرتقال بين يديها، فوق بطنها، ثوبها أزرق سماوي مطرز من جيب العنق حتى أوسطه، خلفها مشهد طبيعي لبيارة البرتقال، وزوج من المزارعين أسفل كل شجرة يمدون أيديهم في جيوبها. صار المكان الذي احتفظ بجسدي معتماً، غُصت في الجدار أنجد نفسي من العتمة، مثل حالة ولادة، نزلت من رأسي، وقدماي علقتا. الملصقُ هو هوَ أمامي، مع مجموعة ملصقات أخرى. معلق في الهواء بخيطين رفيعين من السقف، أنزلت قدمي فقفز وتأرجح. قمت. إنّه المتحف الفلسطيني-بيرزيت.

 لمَ أتأمل في شيء من المفترض أنني أعلمه؟ تقول لي اللوحة أنّ هذه فلسطين، حسناً إذا كنت أعلمها لماذا أتأملها، لماذا تصر عيني أن تنظر إليها؟ وكانت تحت عنوان "رَدُّ البرتقال". بجانبها خمس مجموعات أخرى تشاركها فضاء المتحف وواحدة عن يسارها. اثنين وثلاثين ملصقاً سياسياً، مررت بها. سكبت عليّ مشاعر دفأتني وأنضجت يدي، وحالما أمسكت الملصق، كالذي يتفحص قطعة قماش، سما الشجر نحوي وأخذني، وأخذني هنالك.
من الملاحظ أنّ معظمها مذيلة باتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين والمجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر، أي في الثمانينات والبقية في الستينات، والسبعينات. وأن أهم حدث حينها يوم الأرض، برز من خلالها المشهد الطبيعي.

أشعرتني بالارتباك، لي ملء الحق أن أسأل لماذا لم أرَ مثلها ذي الأيام أو شبيهاً لها؟



منها ما كان في الشتات مثل ملصق تل الزعتر.


(خلفية الملصق صفراء، وخطوط حمراء عريضة والكتابات:
"سيبقى رمزاً للصمود الفلسطيني"

وأيادٍ ثلاثة عملاقة تأخذ تحمل ثلاث أسلحة ترفعها مكان الشمس على مخيم تل الزعتر.

 "مزيداً من القبضة الفولاذية على هذا البنادق صانعة الانتصارات وحامية الشعب" اللون الأصفر والأحمر، يعكسان دلالات شمس الحرية والقوة)






تاريخ سليمان منصور يذكر أنّه همّ بجعل لوحاته ملصقات على الجدران مع فنانين آخرين، وتوزيعها. وضع الاحتلال أجسادهم في المعتقل، لصد هذه التحركات، ووصل بالاحتلال أن منع استخدام ألوان: الأسود، والأحمر، والأخضر. الألوان، عندما تخرج من فرشاة الفنان، يذمّها العدو؛ تظهر لونه كما تجعله شاحباً. 

   وقفت أمام شجرات، أقصد ملصقاً، لهنّ وجوه يابسات ملثّمة تحمل -أظن أنه -كلاشينكوف، ووقفت مثلها، أنظر لأضواء الشمس عكست لوناً من اسم المعرض. كان من الممكن أن أستريح هنا إلى الأبد إذا عاهدتني لحظةُ ما بعد العصر الاستمرار إلى الأبد.

 "مدى البرتقال" حلقة وسيطة بين المعرض السابق "اقتراب الآفاق" والمعرض التالي "طُبع في القدس"، الأخير يستحضر تراثنا أيام الانتداب البريطاني. أما الحلقة الوسيطة، فهي من مقتنيات المتحف الدائمة، سبع مجموعات، لرحلة بصرية في المشهد الطبيعي من خلال الملصقات، كل واحدة تحملُ رمزاً بصرياً على سبيل المثال البرتقال، وشقائق النعمان. بغض النظر عن ترتيبها، ما الهدف من وجودها في المتحف بالرغم من قربها الزمني؟

تعطي انطباعاً للطلاب والطالبات والزوّار، أنّها قديمة، أعتقد. وفي نفس الوقت تعرض علينا لترينا التغيرات في المشهد الطبيعي الفلسطيني؛ كأننا الآن في مرحلة جديدة.

أو قد أضع افتراضاً، هو أنّا فقدناها من أفق رؤيتنا سابقاً والآن نحن نسترد مقتنياتنا فنعرضها. وإن صح، فإنه يعيدنا إلى "كأننا في مرحلة جديدة" لكن بطريقة أخرى حيث اهتدينا وبدأنا البحث عمّا مضى. سؤال في الهوية، ما مدى ذاكرة البرتقال؟ هل يستطيع متحف تأسس عام 2016 أن يمتلك مقتنيات أبعد من الانتداب البريطاني ليشكل تاريخ الذاكرة الفلسطينية؟ دون أن ينخدع بتكوين هوية مُضادة للاحتلال؛ فهو يسرق البرتقال، ورمزه، فيرد المتحف بإرجاع رمز البرتقال. حتى نصبح بعد سنوات شبيهين، نسختين، لا يستطيع طرف ثالث التفريق بيننا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق