نقد نقد متراس:
كتبت هذه التدوينة في نفس يوم نشر مقالة باب العمود: النصر واضح والمتسلقون كُثر، الأخيرة كَــــتَبَتها هيئة تحرير متراس بعد انتهاء أحداث باب العمود الأخيرة التي كانت في اليوم الأول من رمضان، 13 أبريل/نيسان.
أحداث باب العمود الأخيرة كانت تدور مجددًا حول وضع معيقات وحجز حريّة السير. أغلقته حكومة الاحتلال-القوة المُسيطرة-بسواتر حديديّة فاشتعل فتيلُ المواجهات. بعد انتهاء المواجهة، وثّقت هيئة التحرير صورة، تتلخص في أنّ "نصر" شباب القدس في إزالة الحواجز الحديديّة تسلّق عليه أشخاص. سؤال المقالة من الذي تسلّق على هذا النصر؟ حددت صفاتهم أنّهم: وسطاء، سواء كانوا بسطاء أو أصحاب قوة في البرلمان. وعرضت متراس هذه الحالة إلى السطح في هذه مواجهة وغيرها من المواجهات التي حدثت أمام باب العمود في السنوات السابقة. لذا من ناحية دقة المعلومات تعتبر استثنائيّة، لأن هذه الصورة اعتمدتْ على توظيف الصحافة الصوريّة، التي تعتمد على الملاحظة والمشاهدة، وهو من أوائل الأدوات لتكوين حصيلة معلومات، لقدرتها على تجميع معلومات من فترات قصيرة سابقة، وهو أمر مهم، لتكوين صورة أقرب لنا، نحن البعيدون، وللقريبن الذين لم يشاركوا في الحدث، أو للمشاركين حتى يتذكروا الحدث، وقد تساعد كاتبًا أو كاتبة فيما بعد لكتابة مادة أخرى تتصل بها.
لكن، أخطأت هيئة التحرير، في رأيي، في التحليل، والذي يُختصر في القول أن في هذه المواجهات، أنّ ما حرصت شرطة وبلدية الاحتلال على صنع النصر (من وضع الحواجز حتى نهاية المواجهات بإزالة الحواجز) ليبدو على هذا النحو، أنّه تم من خلال واسطات، من خلال ايجاد "من يمكن التحدث معه" في مواجهاتٍ لاحقة" حتى ليبدو أن "ثمار الوساطة" قد آتت أكلها. أي أنّ المقالة، أفادتنا أنّ القوة المُسيطرة- حكومة الاحتلال-تحاول ايجاد وساطات مع أي مواجهات قادمة -وهي من أوجدت هذه الواسطات كي تدخل ويكون لها دور-، وحولت النصر سيناريو.
هل هذا النقل والتحليل يتوافق مع كيف هيئة التحرير تفهم متراس، ومع المبادئ التي طرحتها للمقالة الجيّدة في مقالتها "أين تتعثّر الكتابة؟"
"كل ما يُمكن أن يوضع في طريق مشروع الاحتلال. إنّه محاولة لربط صناعة المحتوى الإعلامي والمعرفي، بما يقدّمه الفلسطينيون لـ"المقاومة" في معناها العامّ؛ تنظيمات وأفعال سياسية، ومقاومة الناس في اليوميّ. وتشمل الكلمة هنا الانطباعات الذهنيّة والممارسات الفعليّة، والعلوم والمعارف الفكرية والنظرية."-كيف نفهم متراس.
إذا نظرنا إلى عملية المراقبة، أولًا، فمن البديهي، أن تأتي النظريّة قبل المراقبة، لمعرفة ماذا نراقب؟ جُمَلْ الكلمات التي نكتبها بعد رؤية حدثٍ ما تأتي نتيجة تخمينٍ ما، فنــلتقط صور استطعنا مُلاحظتها في الواقع الحيّ نتيجة تَخمين ماذا سنلاحظ؟ كالتدريب على التقاط اللون الأحمر في غرفة الصف، أو مثلما يعلق اسم شخصٍ ما على لسانك بسبب شجار، أو إعجاب، يجعلك تنتبه لكل اللافتات التي تحمل اسمه في البلد.
ولأنّ النقد خيمتنا الأخيرة. أعتقد، أخطأت هيئة التحرير، في انتاجها للمعرفة. من حيث، المعرفة العلمية التي كان من الممكن أن تنتج من المقالة، لم تتحول سوى إلا موقع قد يتحوّل، بالعكس، من "كيف نفهم متراس" إلى موقع به يصطدم هذا الإنتاج اصطدامه بالإيديولوجي (للقوة المسيطرة) من المعرفة، دون إنتاج حقيقي للمعرفة.
وبدأ سؤالي أيضًا بِمُلاحظة. لمّا توالت الإغلاقات بالحواجز كلَّ سنة. استغربت من القوة المُسيطرة في اختيارِها الموعد، والطريقة، لمراتٍ عديدة. لماذا؟ ورافقه سؤالٌ آخر، كان سؤالي: لماذا يجب اعتبارُ إزالة تلك الحواجز انتصارًا؟ في كل مرة.
هيئة تحرير متراس بذاتها قالت أن الحواجز وضعت لأجل خلق واسطات، أي أنّ هناك هدف. إذا لماذا عنونتْ المقالة ب"نصر"؟ وحتى لو أنّه مجرد عنوان، لماذا يجب اعتبار أنه نصر مُتسلق عليه؟ أي، لماذا لم توجه الأسئلة باتجاه القوّة المسيطرة لتحليل فعلها، فهيئةُ التحرير تدرك أن القوة المُسيطرة هي من خلقت "الواسطات" المتسلقون على "النصر"؟ وأنه سيناريو مُسبق كما أوضحت عدة فقرات في المقالة. وأقتبس مرةً أخرى " في مشهدٍ ربما حرصت شرطة وبلدية الاحتلال على صنعه ليبدو أن "ثمار الوساطة" قد آتت أكلها، وبالتالي هناك "من يمكن التحدث معه" في مواجهاتٍ لاحقة. "
لذا..
لماذا اعتبرناه نصرًا إذًا؟
إذًا كان الأولى توجيه الخطاب على هذا النحو، أن نضع صورة كبيرة أمام
أعيننا؟ تُذكرنا، أنّهم في كل سنة يدرسون ويستشعرون نبض الشارع؟ بوضع متاريس أو
كاميرات، مجرد تجارب. لخلق توتر وتشتيت. فهل نفرح يا رفاق أمام التجربة؟ تجربة معدة مسبقًا؟
إنّ هذه دراسة! كيف يؤثّر الثواب والعقاب على سلوكنا؟ كيف يؤثر وجود الواسطات؟ مثل دراسة الأثر أو السلوك. وبحسب قواعد المنهج العلمي مُجددًا، فإن الدراسة، تبدأ بالملاحظة والتجربة، وهو ما يحدث كل مرة، في الكواليس، إذ يخمنون نظريةً ما لملاحظتها. وليس الهدف وضع حواجز. بالتأكيد. بل خلق سيناريو لدراسته. لماذا لم يكن سؤال المقال على سبيل المثال، لماذا تصر حكومة الاحتلال على صناعة واسطات؟ أو لماذا تصر حكومة الاحتلال على وضع حواجز؟ والبحث عن أسئلة علميّة عقلانيّة. أعتقد أنّ النضال والمقاومة، كما نفهم متراس، أن نجتهد في تحليل هذه المُعطيات المتوفرة، لمعرفة الفرضيّة (أو النظريّة المُخمّنة) وليس أخذ المعطيات كما هي، وعرضها.
وأُضيف، مما يثير اللبس، أن ننهي جُملنا "أن الناس تعرف من معها ومن ضدها" بهذا نخلق شُبهات على كل فلسطيني؛ وكل فلسطيني يجب أن يثبت فلسطينيّته! مما يعزز ثقافة إقصاء الآخر. الإقصاء سياسة حكومة الاحتلال العامة. أعتقد، أنّ المقالة لا تخلق وعي جمعي موجه نحو هدف ما. لا ترقى أن تكون متراسًا، بل تنطق ما ينطق به حكومة الاحتلال.
"لا بد، إذن، من إخضاع الفكر المسيطر لنقد هو القادر، من موقع هذا الفكر النقيض، على تحرير العلمي الذي يتضمنه، أسيرًا في الشكل الذي ينبني فيه كقول هو القول المسيطر الذي يظهر كأنّه قول العقل الجمعيّ"-مهدي عامل
أكد مهدي عامل في حديثه عن الصراع العرفي في كتابه "هل القلب للشرق والعقل للغرب؟": القوة المسيطرة لا تكبح الإنتاج بالمطلق، بل تجعله غير متمردًا ولا ثائرًا، تجعل المعرفة التي ننتجها تـُـنتج من أجله، ونعيد تكوين نفسه فيها فنُساعد في تشاملها -الذي قد يخيّل إلينا لاحِقًا أنّه قول جمعي-. وإنّ لم نسيطر على انتاج معرفتنا، من خلال أسئلتنا، أي، أسئلة موجهة لنا نصبحُ تُرسًا في آلتها وليس متراسًا في طريقها.
لذا أعتقد أن المقالة كانت عرض صور، دون تحليل كافي حتى النهاية بحيث تناقض عنوان "النصر" لأنها أفهمتنا بوجود سيناريو، ووجود واسطات؛ سيخرج القارئ حاقد عليها وليس على حكومة الاحتلال الذي جعل منها واسطات، بالتالي هذه المقالة ساعدت في تشامل القوة المُسيطرة أكثر-وتعميم ثقافة الإقصاء- بخروج قرّاء حاقدين على أشخاص فلسطينيين سواءًا أولئك الواسطات التي عيّنت مسبقًا من حكومة الاحتلال أو أولئك الذين كتبوا المقال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق