الاثنين، 11 يوليو 2022

قراءة استطلاعية في التقارير السنوية لمجلس القضاء الأعلى

 "سنعمل بحسم وسرعة لتعزيز سيادة القانون وحماية استقلاله ومنع التدخل في شؤونه" البرنامج الانتخابي لفخامة الرئيس محمود عباس. 19/1/2005

 

بتاريخ 15/7/2019 صدر قرار بقانون يحمل الرقم 17/2019 لتشكيل مجلس القضاء الأعلى وسمّي بالانتقالي لأنّه أناط بها إصلاح وتطوير القضاء والنيابة العامة، نحو ما يكفل سيادة القانون، ولهذا المجلس الانتقالي صلاحيات مجلس القضاء الأعلى –العادي-في قانون السلطة القضائية، رقم (1) لسنة 2002.

ولأجل الإصلاح والتطوير القضائي وهب القرار بقانون صلاحية للمجلس الانتقالي إعداد مشاريع معدلة لقانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م وتعديلاته، وأي قوانين أخرى من رزمة القوانين القضائية، على نحو يمكنها من الاستجابة لمتطلبات التطوير والإصلاح، وتقصير أمد التقاضي، وتعزيز فرص الوصول للعدالة. (المادة 2/4 من القرار بقانون)

والقرار بقانون، ألغى تشكيلة مجلس القضاء الأعلى العاديّة وحدد أعضاء المجلس الانتقالي بالاسم الشخصي، أي أنّ هذا القانون لا يسري إلا على هؤلاء الخمسة بالاسم الشخصي ثمّ ذكرَ عضوين آخرين بالاسم الوظيفي وهما النائب العام ووكيل الوزارة.

والقرار بقانون، ألغى المادة رقم(34) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة (2002) التي تنص "لا يجور لمن جاوز عمره السبعين أن يبقى في وظيفة قاضٍ" حتى لا يتعارض القرار بقانون مع القانون لأنّ عمر بعض الأعضاء المُختارين بالاسم الشخصي تجاوز السبعين.

والقرار بقانون، حدد للمجلس الانتقالي مدة ولايته. 

وبعد انتهاءه صدر قرار بقانون، قرار تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى بالاسم الشخصي. وهذا القرار بقانون هو قرار تعيين (وهو ما يخالف المبادئ الأساسية لنظريتي الحق والقانون، التي يدرسها طالب السنة الأولى) 


ودعونا نغض النظر عن تلك المخالفة في قلب القانون وفي حق تشكيلة مجلس القضاء الأعلى! 


إنّ الثلاث الأهداف الأساسيّة للمجلس الانتقالي والمجلس الذي يليه وكل المجالس السابقة هي: التطوير والإصلاح وتقصير أمد التقاضي وتعزيز فرص الوصول للعدالة.

وكانت رسالة المجلس الانتقالي كما ذكر في تقريره* الذي رفع لفخامة الرئيس هي: توفير البيئة القضائية المناسبة متعاونة مع الشركاء لدعم الجهد والإصلاح.

*والتقرير، هو التقرير السنوي الذي يصدر عن مجلس القضاء الأعلى، عبارة عن ذكر لإنجازات السنة القضائية، موجزاً عن أعمالها في المحاكم كافة، والمعيقات والتوصيات والأهداف للسنة القادمة، وتوضح السلطة القضائية رؤيتها ورسالتها، والتحديات التي واجهتها، وما تم إضافته للقضاة، كذلك يتناول إحصاء عدد القضايا الواردة والمفصولة، وبيئة عمل القضاة. وهدف هذه التقارير توضيح التحديات والعوائق وتوضح ما يتوجب عليه القيام به من أعمال لإصلاح القضاء، والسيطرة على تراكم الدعاوى، ويرفع التقرير إلى فخامة الرئيس. 

في هذه القراءة الاستطلاعية سنقرأ تقريري المجلس الانتقالي سنة 2019 وعن سنة 2020.

في التقارير السابقة، للمجالس العاديّة، حددت المعيقات والتحديّات في أمورٍ تقنية، أو بشرية أو فنيّة أو إداريّة، وشح الميزانيّة. وأنّ المشاريع في التقارير السابقة، هي ذاتها المشاريع التي استكملها المجلس الانتقالي (من ميزان 2) ومشروع سواسية ومشاريع تتعلق في تدريب القضاة أو تطوير خدمة أو تطوير بناء محكمة.

وفي التقارير السابقة، ذُكر وفصّل في احصائيّات أن القضاء يعاني من الاختناق القضائي، أي زيادة عدد الوارد من القضايا بالنسبة للمفصول منها ومع تقدم السنوات صارت التقارير السنوية تضيف أهمية وجود أبنية لائقة للمحاكم وتطوير الخدمات وإقامة المشاريع.

وهي أمور مشتركة بين التقارير السنويّة بشكل عام مع تطور الأحداث من سنة لأخرى.


كما أنّه مشترك مع تقريري 2019 و 2020. 

 تقريريّ مجلس القضاء الانتقالي 2019 و2020 ذاته جاء في تقريره أنّ المعيقات هي أمور فنيّة وإدارية (مقدمة تقرير 2019 وصفحة 55 من التقرير2020) وأمور تتعلق بالميزانية حيث أنّ الميزانية للسلطة القضائية هي 0.65% من ميزانية السلطة الفلسطينية فيما تصل النفقات العامة 16 مليار شيقل، أما ميزانية السلطة القضائية هي 95 مليون شيقل، مما يقلل من اجتذاب الكفاءات للسلطة القضائية حيث لم يتغير راتب القاضية أو القاضي منذ 2002 حتى الآن ولم يجر أي تعديل عليه. (صفحة 69 من التقرير السنوي 2020)

 وأقتبس من تقرير 2019 صفحة 9 "وجديراً بالذكر أن استقطاب القضاة الجدد وخاصة في الدرجات العليا في المحاكم أمر ليس يسير، نظرا لاستنكاف الكفاءات المؤهلة عن العمل في النظام الفضائي لاعتبارات تدني الرواتب، ومقارنة بمتوسط دخل المحامين المؤهلين للعمل في سلك القضاء"

 تقرير 2020 تحديداً ذكر وأقتبس من صفحة 17 "كان هنالك نقص شديد في أعداد القضاة والموظفين الإداريين، عدا عن لحاق بعض القضاة في المحاكم دون الحصول على التدريب والتأهيل الكافي"

ومن جهة فإن المجلس الانتقالي يرى الضعف في المتقدمين للوظائف القضائيّة (صفحة 55 من 2020)


أي مواطنة أو أي مواطن تعامل مع المحاكم النظاميّة يعرف ويعرف جيداً وأن أكثر ما يضايقه  هو شح الكادر البشري من الموظفات والموظفين مما يعيق الجمهور الذي يبحث عن العدالة من الوصول إليها أو إنجازها.  

في ذات الوقت، ورغم شح الكاد البشري والكفاءات تم استحداث القسم المختص للنظر بقضايا العنف ضد المرأة في محكمة بداية نابلس حيث افتتح مجلس القضاء الأعلى بصفته ممثلاعن السلطة القضائية، وبالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة ضمن الجزء الخاص بها تحت إطار برنامج سواسية II المشترك.

إنّ وحدة النوع الاجتماعي أيضاً تحتاج إلى كادر بشري وموازنة خاصة له وتجهيز محكمة خاصة له، وهي غرفة في محكمة نابلس، مما ضيّق محكمة نابلس أكثر، رغمّ أنه جاء في تقرير المجلس الانتقالي ذاته أنّ محكمة نابلس غير لائقة لا تتوافر فيها الشروط الصحيّة وتحتاج لتوسعة بمقدار 2500 متر مربع إلا أنّه تم إلغاء هذه التوسعة بسبب عجز في الميزانية.

في تقريره 2020، وفي قسم آخر من التقرير: بيئة العمل القضائي، وهو قسم مهم حيث قال رحمه الله المحامي الدكتور عثمان التكروري "العدالة البطيئة ظلم" 

فقد جاء في التقرير عدة أمور تبطئ من نظام العدالة، وهي الأمور الإدارية، وضعف تخطيط المصادر البشرية. منها أن عمل المحاكم يعتمد بشكل أساس على الكاتب والمحضر والمراسل، وأقتبس من التقرير 2020 صفحة 58 "إلا أنّه يلاحظ تدني هذه الفئة والدرجة لهذه الشريحة مما ينعكس على الأداء بشكل سلبي، ويجب تحسينها." 

أي أنّ معظم المعيقات كانت معيقات إدارية وفنية، ولا تتعلق بتعديلات تشريعية، لكن مجلس القضاء الأعلى الانتقالي استخلص بالنتيجة منادياً فخامة الرئيس أنه حتى يتمكن المجلس الانتقالي من إمكانية عمل الأعمال الموكلة إليه يجب أن يعالج المعيقات وتعديل قانون السلطة القضائية وأنّ على المجلس الانتقالي تعديل التشريعات ذات العلاقة، ورزمة القوانين وهي القوانين الثمانية التي أعدها، والمسموح له تشريعها كما وهبه إيّاها القرار بقانون الذي عيّنة رقم 17/2019 والمحددة له مُسبقاً في مهامه.

 حيث أنّ مجلس القضاء الأعلى الانتقالي لتطوير إجراءات العمل لقضائي التي ستنعكس إيجابا على الفصل في الدعاوى حيث يوجد زياد في مقدار عدد القضايا المدورة بالنسبة للمفصول بحسب الاحصائيات، وما زالت بارتفاع. " وضع تصوّراً للتعديلات التشريعية الضرورية"! 

أي باحث أو باحثة سيعرف، أن الإحصاءات تحاول تفسير البيانات بإعطاء جمل من المعطيات لايجاد استنتاجات قد توجه الباحثة أو الباحث إلى سبب معين يكون هو المعيق الحقيقي فتعالجه، وهو ما كان تقوم به المجالس السابقة، وحدد تلك المعيقات بأمور مادية، فنية وإدارية مثل المجلس 2019 و2020، لكنه استنتج أنه يجب أن يعدل التشريعات الإجرائية. 

 وأقتبس من التقرير (إن هذه المنهجية في هذا التقرير الحالي من الناحية الفنية تعكس إلى حد بعيد واقع القضايا أمام المحاكم النظامية من الناحيتين الكمية والنوعية) 

فوجد أنه يجب أن يسهل الوصول إلى القضاء، ففرض تشريع الرسوم الجديدة في المحاكم النظاميّة وألغى مجانية التقاضي.

وجد أنه يجب عليه أن يقصر عمر التقاضي، فجعل التبليغ بالإلصاق، وفرض عطلتين وألغى عمل الشرطة في الملفات الجزائية. 

وجد أنه يجب عليه أن يصلح ويطور، ففرض أن يكون تأجيل الجلسات فقط لمدة 15 يوماً، طبعا هو ما أتمناه أن تكون تأجيلات الجلسات قريبة، لكن مع عدد القضاة القليل؟! سينهك القاضي ويموت تدريجياً تماماً، موتة شطرنجيّة. 

حيث أن عدد الملفات، وأتحدث عن محكمة نابلس، في اليوم تقريباً ينظر القاضي بالمتوسط 40 ملفاً وإذ أجلها جميعها بعد 15 يوم، أي اليوم رقم 15، سيكون لدى القاضي 80 ملفاً لينظره، وهكذا. 

إنّ التحديات والمعيقات التي أدلى بها مجلس القضاء الأعلى الانتقالي هي ذاتها أو تدور في مدارها، من الأمور الفنية والإدارية والبشريّة مع تطور بعض الأحداث والتحديات والتطورات في كل تقرير للمجالس المنعقدة السابقة التي وضحتها. وإن الأهداف مماثلة وهي تطوير والإصلاح وتقصير أمد التقاضي وسهولة الوصول إلى العدالة. وهذه الأهداف والمعيقات والتحديات لم تكن لتحتاج قرار بقانون حيث أن مجالس القضاء السابقة كانت تقوم بأعمالها. لذا كل تلك المعطيات التي أدلى بها مجلس القضاء الأعلى الانتقالي لا تعطيه حتى صلاحية استخدام المادة الثانية من القرار بقانون 17/2019 الذي عيّن به.


إن ما يحتاجه القضاء حقاً...

  • ميزانية على أقل تقدير 7%، فالأمن الذي يرصد له 16% ليس أجدر من القضاء وهو أساسه/
  • نحتاج رقابة قضائية يكون مقرها بعيداً عن مجلس القضاء الأعلى. نحتاج أن نحافظ على استقلال السلطات الثلاث. 
  • وأن نطور مهنة المحاماة في التدريب والتأهيل والبحث والتمثيل الدولي، ومعاقبة المخفقين الغافلين المقصرين عن حمل الرسالة. 


رابط التقارير السنوية لمجلس القضاء الأعلى



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق