الأحد، 28 أغسطس 2022

العرض المسرحي لوين: ينتظرون أن يتكلم أحد ويتحدث كالشخصيّات.


آخرُ مشهدٍ قرأته في قصّة للشهيد الكاتب غسان كنفاني: دخل جنديان بيتاً وأمر ساكنيْه، وهما شابين بالاستدارة للحائط، يحاول أحدهما أن يُلمّح للآخر أمراً، وتنتهي القصّة. وكنت سأستمر في قراءة سلسلة أعماله إلى أنْ خطط نادي القراءة في المدرسة للذهاب إلى معرض الكتاب في رام الله (وكان ذلك عام 2013/2014) أي كنت خمسة عشرَ سنة، اقتنيت كتاباً من المعرض بسببه لم أكمل قراءة السلسلة إلى اليوم.  

 شد انتباهي بين بحور وأعمدة الكتب كتاب متوسط الحجم، غلافه أسود، رسم بلون أحمر دقيق قنبلة يدويّة جسمها يشابه القفص الصدري، وداخل القفص جذور. اسمه نظريّة اللعبة. أتذكر أنّني قرأت عن المصطلح في كتاب ما، أو ربما عرفتها في فيلمBeautiful Mind أو على الأغلب من مقالة.

نظريّة اللعبة، مصطلحٌ في علم الاحتمالات، هدفه إيجاد دالةٍ في المعادلة للحصول على منفعة خاصّة. ولتتبع النظرية عليك بسؤال: ما هو أفضل قرار في هذه الحالة للحصول على منفعة لصالحي من أمام أعين خصمي أو خصومي؟ وإن كنت ستخسر أو ستخسرين، فما هي أفضل خسارة أمام حالةٍ معيّنة؟

حملته، فوجدته كتاب قصص، وأنّ الكاتب خالد عودة الله من القدس. كان يكفيني وقتها معرفةُ أن شخصاً أو شيئاً من "القدس" لأُحبّه إلى الأبد. وأعتقد أنّ هذه الحالة الملحّة ما زالت من نفسي.  

وبدأت في قراءة القَصَص. أبطالها يهربون ويحاولون إيجاد مخرج من رتابة الحياة اليومية التي أنهت على قصص بطولتهم الأصليّة. بها رمزيّة، بل لا يصلح أنْ نقول رمزيّة، عالمه أقرب إلى عالم الفن التشكيليّ. فكك خالد عودة الله الحالة النفسيّة العامّة وحولها إلى مشهد بصري. وفكك أول جملةٍ تسمعها أثناء دخولك رام الله "وصلنا ال DCO " حاجز مركز التنسيق والارتباط من خلال قصّة، كانت فيها الشخصيّة الأساسية أسيرة لسنوات لدى العدو الصهيوني قبل أوسلو. وهان عليه ذلك فدا لعيون فلسطين إلا أنّه بعد أوسلو أصبح موظفاً في ال(D.C.O).

تلك الأحرف قرأها في القصّة بالعربية، من اليمين، (اوه. سي. دي) فأظهرت اللغة العربية حقيقتها. بهذا الترتيب أصبحت اختصاراً لمرض اضطراب الوسواس القهري الذي اجتاحه بعد اصطدامه مع سجّانه كموظف رسميّ في مكان عمله الجديد.

جعلني أتساءل دائماً عن هذه المفارقة كما تساءلت الشخصيّة بين السطور: متى حدث كل هذا؟

لم أترك فتاة في نادي القراءة إلا وحدّثتها عن القصص ولا أملًّ من تقديم استهلاله "وكأنني الأضّاد في رجل تقاتله وحوش يده". لا شعورياً بعد أن قرأت الواقع بعد أوسلو لخالد عودة الله أبت نفسي الرجوع لقصص الشهيد، بداهةً رفضت نَفَسه. وربما رأيت من العجب التّعلق بكاتب قديم يروي زمانه.

الشهيد الكاتب ولد قبل النكبة، عاشها وحضرَت في كتابته بشكلها العادي المنكوب والجحيميّ، وحضَرَتْ بفلسفة قهر الحياة في أبسط صورها عندما شقت هرّة ضائعة صدر قطٍ نائم لتجد الحليب –مجموعة عالم ليس لنا-.

كم أشعر بالمقت، أمتعض، دون القدرة على إيجاد تبرير واضح في ذكرى اغتياله، جعلنا ننشغل كل ذكرى بسؤال: أين يقف دوف؟ ولماذا لم يدقوا جدران الخزان؟  تكرار لذات الصور المكتوبة والمرئيّة، كنفاني هنا، كنفاني هناك.  

لماذا نتذكره، لأنّه كاتب أم شهيد؟ ناجي العلي أيضاً لماذا نتذكره، لأنه رسامٌ أم شهيد؟ بعد اغتياله تبقت رسوماته، روحه كإنسان مهموم بالقضايا لم يتبق منها سوى الصور المغطسة بالهزيمة العمياء من نجيع الردى عليها، تجمّدت فيها حالة الخسران والانهزام، فحتى تمثاله كإنسان في عين الحلوة حطم.

هما كانا يقومان بعملهما وما يمليه عليه ضميرهما إلا أنّ القوة التي جعلت منهما رمزاً للقضيّة والشعب الفلسطيني مثل المفتاح والكوفيّة لم تقوَ لتختر رموزاً أُخرى، مما يجعل ذكراهما نوعاً من نفوذ تلك القوة ومداداً لحياتها بالتالي وذاكرتها المليئة بالخسارة، فتجمّدت حالة الخسران والانهزام. ومن الخطر عليها أن تحضر كتابةُ جديدةٌ فتطغى على وجودها. لمّا قرأت خبر اعتقال خالد عودة الله، ربطتُ أخيراً أنّه هو كاتب "نظريّة اللعبة". كنت أنظر إلى صورته مكبل اليدين أظنّه مغرقاً في التفكير يقول ما هي أفضل خسارة لي، ما هو أصلح فوز لي، أمام هذه الحالة؟    

حديثاً فقط، عقدت النيّة لقراءة كل أعمال الشهيد من أجل، من أجل ألا يفوتني شيء. فأنا بالنسبة لي رميته في البحر، لقد كنّا في قارب سويةّ وكرهته وألقيت به مع كنزٍ من الرموز! لقد آذاني في قصصه وحضوره الجامد.

وطوال الوقت آمنت أننّي خرجت من الجمود الذي تركته الرموز إلى أنْ اكتشفت دائرة أوسع من الجمود أنا بداخلها العرض المسرحي "لوين؟" (عرض في مركز خليل السكاكيني، 25/8/2022).


جلس الممثلون في حلقة، ونحن الجمهور خلفهم. خلفنا صوت الموسيقى ثم امتزجت مع أصوات همس الممثلين، فتبعه صمت.

 


 قام أحدهم، نادى "في حدا هون؟" وقف يتكلم مع نفسه، تحدث عن حاله مستغيثاً أن يرد عليه أحدهم، أو أحدنا ربما.  

مّر على كلٍّ منهم. مَن وقف أمامه استفاق مقلداً حركاته أو تعبيراته حتى نشعر أنّهم شخصٌ واحد. ثمّ بطريقة سلسة، تكلمت كل شخصيّة عن معاناتها، فكلام يجر كلام كما هي الدنيا التي نشاهدها أمامنا. سألت نفسي بعد خمس دقائق من المسرحيّة لماذا أتيت لأشاهد وأسمع كلاماً أعيشه؟ تبيّن أنّهم من جعلونا نسأل.  

طرحت آخر الشخصيّات معاناتها عن إشكال المسرح؛ فتقول الشخصيّة بطريقتها الكوميديّة أنّها تصاب بالهلع عندما تمثّل، لا تعرف متى تدخل فجأة في حالة يصبح كل شيء حقيقيّاً كأنّه الدنيا.

وبابتسامات عريضة وزّعوا على كلٍ منّا ورقة وقلم مكررين "اللي بدك إيّاه اكتبه". لاحظت أنّه رغم الإضاءة الخافتة، والسريّة، منّا لم يكتب وتوتر وفكّر. كتبت كلمة "فساد" بعرض الصفحة ورسمت كلمة "خراب" ظلاً لها.  

سألوا "حدا بده يحكي؟" ظننا السؤال جزءاً من المسرحية ثم تكلمت شخصيّة إلى أن أدركنا أنّها كانت من ضمن طاقم الممثلين أيضاً. ثم أعيد السؤال علينا حتى وجدوا من بين الجمهور من قال "أنا" وسلطوا عليه الضوء، ولما أنهى حديثه، كرر السؤال على الجمهور حتى أجاب ثاني، وكرر السؤال حتى أجابت ثالثة. وردد ذات السؤال مرات منتظرين أن يتكلم أحد ويتحدث كالشخصيّات إلى أن تحقق أن لن يرد على السؤال أحد.

لم يكن في القاعة سوى ثلاثة. أما نحن، أنا والبقيّة كنّا مستمتعين بانعكاس ظلالنا التي تتحدث بصوتٍ مرتفع وجرأة وسط الحضور. تبيّن أنّ سؤالي الاستنكاري "لماذا أتيت لأسمع كلاماً أعيشه؟" أحمق مُتعالي. جئت لأشاهد ناس يمثّلون حياتنا البائسة لكن ليس لدي تعليق على ذلك، كأن مأساتنا اليوميّة سر. الأمر لا يتعلق بمهارات الحديث بل بدا أنّنا لا ندرك ولا نفهم الصراحة في الحديث، ما زلنا نستشعر بالجنود يفتشوننا، أو اعتدنا أن يتحدث عنّا رمز.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق