الأحد، 10 يناير 2021

كيف تكممنا؟

 

كيف تكممنا؟  

"أيها الفقهاء لماذا الصمت عن قضايا تهمكم" –جورجيو أجامبن. 

 

كيف بدأنا في المتاهة ؟

 

 أغلقوا أعيننا، أرسلونا إلى المجهول. وصرنا نتجول في المتاهة. والحقيقة أن المتاهة أمامنا فارغة ولا أساس لها، لا عمدان، وتغيرت أسماؤنا.  ونحن مجهولو الأسماء لم نخترع طريقة لنعرف كيف ننادي بعضنا؛  فنبني جدراناً لمتاهتنا بأيدينا.

 

في هذه المقالة سأحكي لك كيف بدأنا المتاهة، وكيف تغّير اسمنا. 

في اتفاقية أوسلو أو إعلان المبادئ تعرّف "المرحلة الانتقالية" المرحلة التي خلقت "حكم ذاتي" سميَّ السلطة الوطنية الفلسطينية وأنشأ المجلس التشريعي الفلسطيني وأوكل لهما صلاحيات حكم ذاتي انتقالي لحين الاتفاق على النقاط الأساسية لمدة خمس سنوات لكن تحولت المرحلة الانتقالية من مدة زمانية، إلى شكل، إلى بنية زمانية اجتماعية، مرحلة تاريخية. وبهذا شلّ دور منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها من الأمم المتحدة، التي أوكل لها المجلس الوطني الفلسطيني مهمة تحرير فلسطين، إلى حين أن تنتهي المرحلة الانتقالية.  

المرحلة الانتقالية هي مرحلة البدء في المتاهة، لم نكن نعلم أنها متاهة إلا أن انتهت الخمس سنوات، ووجدنا أنه مرّ أكثر من 25 سنة ونحن في المرحلة الانتقالية؛ أزمة المجلس التشريعي ليست الحجة، أو مبرر "المأساة" التي يقع تحتها الشعب الفلسطيني حيث أنّ أزمة المجلس التشريعي حدثت في 2007، أي بعد اثنا عشرة سنة من اتفاقية أوسلو؛ المماطلة هي ما أحدث اختلال في توازن القوى.

قانون المطبوعات الفلسطيني 25/6/1995 [1]

- المادة 37 الفقرة (أ/3). المقالات التي من شأنها الإساءة إلى الوحدة الوطنية أو التحريض على ارتكاب الجرائم أو زرع الأحقاد وبذر الكراهية والشقاق والتنافر وإثارة الطائفية بين أفراد المجتمع.

حيث أن عبارة "الوحدة الوطنية" غير محددة مفهوماً أو محددة مدى أحقيته، حينها كانت اتفاقية أوسلو، ويعني مضموناً في رأيي أن ذلك يعني أن أية انتقادات توجه إلى السلطة الفلسطينية بسبب ممارساتها -أو إلى منظمة التحرير الفلسطينية بسبب توقيعها على اتفاقية أوسلو – أو ربما أي انتقادات بسبب تغيير ومحو الميثاق الوطني الفلسطيني، وتحويل مضمونه من خطاب تحرري وطني إلى مجموعة من المراسلات مع إسرائيل في عام 1993 والاتفاق على "التسوية سلمية عادلة وشاملة"[2] سيعرضك إلى المساءلة القانونية. وهذا ما سميّ ضمناً بالوحدة الوطنية، لأن مخالفتك لها يعرضك للمساءلة القانونية.  ولم أستشعرها إلا بدراسة القانون فليس من الصعب إيجاد استشهاد حول هذا الموضوع حيث يقول المحرر في الهيئة المستقلة الفلسطينية لحقوق المواطن في تاريخ 1999

"تعيش الصحافة الفلسطينية جواً من الإحباط والرهبة والرقابة الذاتية، وهي صحافة غير حرة إذ أنها مقيدة بالعديد من الضـوابط القانونيـة والممارسات غير القانونية. ونتيجة هذه العوامل وغيرها، فهي غيـر فاعلة في تنشيط الحياة السياسية وتوجيه النقد والمساءلة للحكومـة، مما يقلل من ثقة الجمهور بها. هذا ما يكشفه التقرير، والذي يؤكد أن حرية الصحافة والتعبير والديمقراطية وسيادة القانون، كل منها حاجة ملحة للآخر"

ويعتقد المحرر هنا أن السلطة الفلسطينية جاءت ممارساتها المُقيدة مخالفة للقانون، لكن في اعتقادي أنها لم تأت مخالفة بل عدم تفسير والتوسع والمطمطة في كلمة "الوحدة الوطنية" هو ما أتاح الحرية في فهم المفهوم، وجعل أي ممارسة ضمن القانون.

وكان هذا خط الدفاع الأول بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، تكميم الأفواه.

في تاريخ 28/9/1995 وقع على اتفاقية طابا، أو المشهورة ب "أوسلو 2" كانت لشد وثاق هذا التكميم، حيث أن الفصل الرابع المعنون بالتعاون ينص على

"سوف تسعى إسرائيل والمجلس لتعزيز التفاهم المتبادل والتسامح وبالتالي امتناع عن التحريض، بما فيها الدعاية العدائية، ضد بعضهما البعض، وبدون الانتقاص من مبدأ حرية التعبير، وسوف يأخذان الإجراءات القانونية لمنع تحريض كهذا من قبل أي من المنظمات، أو الجماعات، أو ضمن ولايتها"

كما نصت المادة 8 من البروتوكول الملحق للاتفاقية على

 "تشكيل الرأي العام بما يتناسب مع تحقيق السلام"

 وفي نفس الاتفاقية عن تحرير الأسرى أنه سيحرر دفعة من الأسرى في الفترة قبل التوقيع على هذه الاتفاقية والفترة قبيل الانتخابات، وهؤلاء يوقعون على تعهد، وهذا التعهد هو الموافقة على "التسوية السلمية" قبل خروجهم والاندماج في المتاهة. كما أن المادة 22 الفقرة 2 من نفس الاتفاقية تضمن من هذا التوقيع أن المنهاج التعليمي لن يحتوي ما يعكس على المُصالحة سلباً، ويساهم في السلام مع إسرائيل. ولاحظت في أيام الصفوف الدراسية، أن كتاب التربية الوطنية، كتاب مسكين جداً، بالأبيض والأسود، وورق من أسوأ نوع، وأذكر أنه كان حجم A5، فهو كتاب غير مدعوم من الجهات المانحة، لأنه يتحدث عن تاريخ غير المكتوب في كتاب التاريخ.

 وبالتالي فإن التشريع المسبق لقانون المطبوعات –الذي كان صادراً من الرئيس فقط وليس المجلس التشريعي -جاء ليمهد لاتفاقية طابا المؤسسة على المراسلات الفلسطينية الإسرائيلية عام 1993.

واليوم تطور "قانون المطبوعات" ليشرع قانون آخر "قانون الجرائم الإلكترونية" يراقب حسابك الشخصي على فيس بوك، حيث أن تعبيرك عن رأيك عندم تسألك الصفحة الأولى يجعلك معرضاً للمراقبة والتعقب كما هو في الحياة الواقعية، فكتّاب التقارير منتشرون أكثرهم في الجامعة – وينتهي بك موقوفاً ثمّ تحال إلى المحكمة فإما سجنٌ أو غرامة مالية. ويصير التهرب من كتابة "ماذا تفكر؟" أشبه بالتهرب الضريبي لكن عن أفكارك وعلى كل حال وبطريقة أو أخرى سيمسكونك، كسيارة الضابطة الجمركية.

وهو تأكيد على "تشكيل الرأي العام بما يتناسب مع تحقيق السلام".

وهذه الممارسات تنتقض من حق تقرير المصير التي تُلغي أداة أساسية في تحقيق الاستقلال، فمن أدوات تحقيق الاستقلال الارتكاز على حق تقرير المصير، والذي أصله حرية التعبير عن الرأي، من دونه لن يصل المجتمع الفلسطيني إلى شكل ما متفق عليه؛ لأن القانون لا يشتكل سوى من فهم المجتمع لمصلحة المجتمع، ولن يتمكن المجتمع من الاستفتاء على أي شيء، لأننا جميعاً تحت مراقبة؛ لأننا جميعاً وممثلنا الشرعي الوحيد، وأصواتنا، ودماؤنا، عُراة عن أهلية الوجود. في فرن نار كبير جداً نتشكل فيه بما يتناسب مع تحقيق السلام. وانتخاباتنا أيضاً في مراقبة من قبل الطرف الآخر في الاتفاقية. وهو ما يُعارض صراحة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في تاريخ 1966 والنافذ في 1967 فيما يتعلق بحرية الانتخاب. وليست هذه أول مخالفة لاتفاقية أوسلو لمبادئ القانون الدولي. كما جاء مخالفاً للميثاق الوطني نفسه، فلم ينظر المجلس الوطني الفلسطيني في التعديلات، ولم تعقد دورة لأجله.

وأما الفقد الثاني، الأداة الثانية التي لغيت بعد حرية التعبير عن الرأي، هي المجلس التشريعي الذي يستطيع تقرير واستخدام حق الاستقلال، وممارسته، فهو الممثل عن آراء الشعب الفلسطيني.

فاصلة،

أتذكر الآن حدثاً في نهاية 2019، أنا ومجموعة محامين ومحاميات ودارسين للعلوم السياسية عقدنا مقابلة مع أحد أعضاء المجلس التنفيذي فتح في مؤسسة Reform وكان موضوعنا عن إشراك الشباب في منظمة التحرير الفلسطينية، ودار الحديث عن لومه للشباب، ومختصر الحديث أن الحلول تأتي من الشباب، ثم صار تعليقه على ردة فعلي عن تعليقه، وأن عليّ أن أتعلم الدبلوماسية. مشكوراً. 

الملكية والسيادة في القانون الدولي: هل نَزَع القانون الدولي الملكية والسيادة عن الفلسطينيين بعد 1948 

 رأي مدرسة جون كويجلي مؤلف كتاب The Case for Palestine: An International Law Perspective تستند إلى فكرة السكان الأصليين.

 في مُعاهدة لوزان 1923، وهي المعاهدة التي وقعتها الإمبراطورية العثمانية إذعاناً لشروط المنتصرين في الحرب العالمية الأولى والتي قسمت أملاك (أراضي، جزر، وأموال) الإمبراطورية بينها وجلعت منها الجمهورية التركية، وبذلك استخرج جون كويجلي أننا نحن الفلسطينيين سكان أصليين حسب مواد مُعاهدة لوزان وحسب التاريخ، وأنّ لنا حق تقرير المصير والحق في السيادة والملكية وغيرنا يكون مقيم غير شرعي في الأرض. 

حيث كانت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، ثم استقلت بعد الحرب العالمية الأولى في كما جاء في مؤتمر فرساي 1919، حتى وضعت تحت نظام الانتداب الذي مهمته تقديم المنهج والمعونة، حتى يصل أفراد الشعب –أنقل حرفياً -لمستوى من الرقي يمكن الاعتراف بها أمة مستقلة تستطيع الاعتماد على نفسها. وبالرغم من أنّ قرار الجمعية العامة 181 يقسم فلسطين وينقص من حجمها الجغرافي، إلّا أن هذا لا يؤثر سلباً على حق تقرير المصير أو الاستقلال، كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة حفظت حق اللاجئين الفلسطينيين في قراراتها في أكثر من موضع، أبرزها أن حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف، وهذا وحده شافٍ.لكن الإرادة ذاتها في متاهة. 

أنظر أيضاً الإرادة الفلسطينية في غرفة المرايا 

وتغيّر اسمنا: حقوق الدول تختلف عن حقوق "حركات التحرر"

كأنّ هناك سباق ما لإخراجنا من القانون الدولي، وتحويل كل ما هو دولي "حرب نزاعات مسلحة" إلى الصفة المدنية على الأشياء، وعلى الناس وعلى الحدود، وأن المشاكل هي مشاكل إنسانية، وليست حرباً، أو استعماراً أو صهيونية، على سبيل المثال بسبب اتفاقية أوسلو، وتحديداً طابا، وبسبب التحوّل من الصفة العسكرية إلى الصفة المدنية، فإن أي مقاتل حرب يسمى الآن "إرهابي" أو "يقوم بممارسة العنف" وهكذا يسقط اسم العمل التحرري، وحقوقنا في اتفاقيات جنيف، اتفاقية معاملة أسرى الحرب، نصبح أناس عارين من الهوية التحررية؛ تغيّر اسمنا. لماذا سعينا لكسب صفةٍ تمحي طريق تحررنا؟

أيتها الراقصة ارقصي عنا جميعاً

ما زلنا على طريق التنمية "بناء دولتنا" جدراننا

بتاريخ 13/1/2021 صدر قرار رقم (20/2021) من مجلس القضاء الأعلى الانتقالي بتشكيل محاكم استئناف جديدة في بعض المحافظات بدلاً من أن يكون ضغط القضايا على رام الله، وهذا لا يدل سوى على أننا ما زلنا في حالة تنمية. ولم قد نبدأ بعملية التنمية قبل التحرر؟



[1] https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=2428 قانون المطبوعات الفلسطيني

[2] https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/5752_0.pdf الميثاق الوطني الفلسطيني بعد التعديل ويذكر أنه لم يعرض بعد للمجلس الوطني الفلسطيني


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق