الخميس، 20 مايو 2021

حسرةُ جدي

حسرةُ جدي 

(معرض: طُبعَ في القدس-المتحف الفلسطيني)




...وأنا أكتب اليوم، لا أدري ما العلاقة بين الكليشيهات التي غمرت المكان، وجدي، وحسرته التي طُبعت على ذاكرتي.


بعد زيارة معرض "مدى البرتقال" أوليت اهتمامًا شديدًا للمعرض القادم "طُبعَ في القدس" من حيث أنّ الأسئلة السابقة في مدى البرتقال: أين كانت كل هذه؟ لماذا لم أر مثلها من قبل؟ ستوجه نحو مدينة القدس فقط. سيحتوي على "مُلصقات" طُبعت في القدس. القدس بالذات. لم أكن قد قرأت شيئًا عن المعرض، حتى أفهم أنّه يتحدث عن المطبوعات إلا عندما شاهدت إعلانات المتحف الفلسطيني. تغيرت الفكرة من أنني سأرى ملصقات إلى مطبوعات.

"طبع في القدس

مستملون جدد"

 

مُس تمْ لون. ليس المستَـــلــِمون يعني؟

المستملون، ما هو المستملي؟

 

بدت الكلمة واقفة كشخص يخبئ خلف ظهره شيئًا يخصّني، حاولت أن أباغت الكلمة ذلك النهار، بأن أقفز نحوها ولعدة أيام متفرّقة بقولي مستملون بصوت مرتفع، لعلي أظفر بنظرة من المعنى الذي تُخبئه. تتوارى في كل مرّة. في النهاية اكتفيت بالوعد الذي في الإعلان

 

"قريبًا. طُبع في القدس.

 مستملون جدد"

أنطق كلمات أعرفها، طُ، بِ، عَ. طُبع، طباعة، تطبيع، طابعة، مطبوعات...بلابلا.

زرت المعرض دون تخطيط مسبق بعد أن سألتني رفيقتي كيف "نكسر الروتين" فاقترحتُ زيارة المتحف. ظهر 11\2\2021 زرت المتحف الفلسطيني، في بيرزيت.

 

 

 

 (معرض طبع في القدس، يعد هذا المعرض المحطة الثانية في رحلة معرض طُبع في القدس، الذي افتتح في متحف التراث الفلسطيني في مؤسسّة دار الطفل العربي في القدس في أواخر عام 2018 مستندًا فيه إلى مجموعة المطبعة العصريّة مطبعة لورنس، والتي تم التبرع بمعظم أدواتها، للمؤسسة عام 1998، تلك المطبعة التي أنشئت في أوائل الثلاثينيّات من القرن العشرين "فترة الانتداب البريطاني" واستمرت بالعمل حتى الثمانينيات من القرن الماضي.) - الكتيّب.

بداية المعرض.

عارضتني شاشة عريضة، حاصرتني وحاصرت المكان. تعرض مقطع شريط مصور لمطبعة أظنّها مطبعة دار الأيتام. وأمام الشاشة مطبوعات، كتب قديمة يحيطها لوح زجاجي، مطبوعة في تاريخ 1920م-م1927. أقف هنا، في نفس الفترة الزمنيّة التي تأسست فيها الجامعة العبريّة في القدس، في المكان الذي كان من الممكن أن يقف عليه بن غوريون، عام 48، لو لم يقل له أحدهم من يحتل الساحل يحتل القدس، فوقف في متحف الفنون في الجامعة العبريّة، بُعيد مجزرة دير ياسين، أعلن استقلالهم.

أعلنَ الاستقلال فوق أجسادهم من متحف الفنون. كأنّهم احتفظوا بالأجساد في المتحف.

النساء، والأمهات، والآباء والأبناء الذينَ طُبع الإعلان على أجسادهم، احتُفظَت أجسادهم في قلب إسرائيل، وإلى الآن الأجساد محبوسة في حويصلات، في رئةِ هذا الكيان. إلى الآن، أستطيعُ سماع دق قبضات يدهم، أستطيع سماعهم وهم يتنفسون.

كنتُ قد سألت قيّمة معرض مدى البرتقال، لماذا أشعر بأن الملصقات جاءت من مرحلة مختلفة وليس من أربعين أو خمسين سنة؟

أجابت "هذا الفارق ستشعرين به بلا شك. تقوم مؤسسات المتاحف على سحب الأشياء من مسردها الزمنيّ وحفظها داخل جدرانها، موقفةً هذا التدفق الطبيعي للزمن، للاضمحلال، للتغيير."

من الطبيعيّ على الدولة الاستعمارية الاحتفاظ بالموتى أو ما تبقى منها في متاحفها. خوفًا من التغيير، لو معنويًا. في ذلك مثال قريب جدًا، احتفاظ الاستعمار الفرنسي وإلى اليوم بجمجمة الشهيد سليمان الحلبي الذي اغتال قائد الحملة الفرنسيّة على مصر عام 1800م. مر من كل بقاع سورية الكبرى، من حلب مرورًا بالقدس ومن ثمّ غزة، إلى مصر.

اليوم سليمان الحلبي في المتحف الفرنسيّ. وجود الرمز بين جدران المتحف الاستعماري يُعلّق المعنى ويحبس الرمز، رمز وحدةَ سورية الكبرى ووحدةَ المصير. تلكَ الرموز مثل نار الفرس إن انطفئت يهزم أصحابها. كذلك هو فعلُ سُليمان، وحَبسُ فعل سليمان. المدة الزمنية الطويلة من حبس رمز سليمان تجعلنا نشعر أنّ الهزيمة شيءٌ طبيعيّ.

خطر ببالي أنّ ذلك يشبه فلسفة في القانون تسمّى "حالة الاستثناء"، كأنّه إعمال آخر لها، إعمالٌ معنوي.

حالة الاستثناء هي على وجه التقريب، لمّا يريد القانونيّ تكييف جريمة –مثلًا-فإنّه ينظر إلى الوقائع الماديّة إذا كان يسقط تكييفها على المادة القانونية، كي يعرّف الفعل في القانون ويكون الفاعل تحت طائلة المسؤولية القانونية. في حالة الاستثناء، تُشَقُ هذه القاعدة على عتبةِ التناقض بين الماديّ الملموس والمادة القانونيّة، تؤسس لحالة من اللامبالاة. من حيثُ لا أحد يعترف بالواقعة-بالمادي الملموس، ولا أحد يرى المادة القانونيّة.

آلياتُ شق القاعدة، آلياتُ حالة الاستثناء تقع على أشكال، أما الأكثر شيوعًا، إعلان حالة الطوارئ لفترة طويلة، وإعلانها يبيح القيام بأي شيء يخرج عن الحقوق الأساسيّة للإنسان تحت مبرر وجود تهديد. والنظام سيعرّفك (عرّفك وخلّص) أنّك أنت التهديد، جسد مرفوض، من خلال تغييب التعريفات القانونيّة. ومع طول مدة حالة الطوارئ تظنّ الأجيال القادمة أنّ هذا طبيعي. فيتحوّل الطبيعي إلى غير طبيعي ثمّ نعتادُ على غير الطبيعي فنسميه طبيعيًا. ويحدثُ فجوة من آخر مرة كان فيها الزمان طبيعيًا بالتالي يحبس أو يحجز التعريفات الطبيعيّة. كما حبسَ معنى سورية الكبرى ووحدة المصير كما طبع الهزيمة في أذهاننا لمّا احتفظ بشهداء المجازر بين جدران المتاحف.

لذا تكمن مُعضلةُ حالةِ الاستثناء في أنّ لها سؤالين، و، جواب واحد:

من الذي يعلن حالة الاستثناء؟ صاحب السيادة.

من الذي يمنع ويلغي حالة الاستثناء؟ صاحب السيادة.

"ذلك ما أرادته القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة (قاوم) رفضت وجودَ التناقُض بين الطبيعي وغير الطبيعي وحدوث فجوةٍ في تاريخ الفلسطينيين؛ إذ في المنشور السادس أعلنتْ "رفض قوانين حالة الطوارئ البالية".  

اتخذت خطوة دفاعيّة.

كنتُ أمام عمل فني تركيبي، "المنشور السادس".

 ثلاثة منشورات عملاقة بجانب بعضها. تتموّج كأنها خارجة للتوّ بسرعة كبيرة من مطبعة عملاقة من السماء، لذلك اتخذت خطوة دفاعية، كانت الأوراق مندفعةٌ نحوي، لكن سكَنت وتناثرت حولي حالما لمحت "ملاقط الغسيل" لمريد البرغوتي. صارت كأنّها مشبوكة على حبال الغسيل، ترفرف بحرية، تريد أنْ تستريح في الهواء فقط.

 اقتربت من العمل التركيبي أكثر. كان كل منشور –عملاق-يتكون من منشورات متلاصقة لا تحمل رقم ستة فقط كما ظننت أول مرة. بل أرقام بيانات مختلفة، البيان الثالث، الخامس، السادس، السابع...الحادي عشر. كلها مُركبة بقطعة واحدة. تاريخها من عام 1988، كانت انتفاضة الحجارة ما تزال مشتعلة.

هذه المنشورات، لم يكن لها يوم محدد لطباعتها أو توزيعها، ولم تكن توزّع بطريقة عاديّة. على ذات غفلة تداولُ تهريبًا. هذه المنشورات كانت تحوّل حملتها إلى مُقاومين ما إن يجدها المستعمر بيد أحدهم سيُذَل.

 ماذا كانت تفعل هذه المنشورات بالمستعمر؟

كانت المنشورات تبدأ بنداء عريض

بسم الله الرحمن الرحيم

"لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة"

لا صوت يعلو فوق صوت الشعب الفلسطيني –شعب منظمة التحرير الفلسطينيّة

نداء –نداء –نداء

نداء رقم ...

صادر عن منظمة التحرير الفلسطينيّة/ القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة (قاوم)

 

انطلقت البيانات من تاريخ 8/1/1988 حتى 1/8/1993 حواليّ ستة وتسعين بيانًا أو سبعة وتسعين. أكّدت كلها على مبادئ الانتفاضة، وكانت تحت قاعدة فلنشعل الأرض تحت أقدام الاحتلال. والمواجهة بمزيد من التصدي حتى يصبح وجودهم في البلاد مستحيلا.

يُلاحظ القارئ بعد قراءةٍ سريعةٍ لبيانات الانتفاضة من 1988 إلى 1993 أنّ المنشور تصدره منظمة التحرير الفلسطينيّة/ القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة (قاوم)، يُعرض بطريقة روتينية. فيبدأ بذكر إنجازات الشعب الفلسطيني، وخسائر الاستعمار الصهيوني. وبعد المناداة، كان يشرح مبادئ عامة لتنظيم الانتفاضة أو كان ينادي كل طبقة أو فئة بمفردها (أصحاب المحلات التجاريّة، والطبقات العاملة والطلبة، أصحاب المهن الطبيّة، وأصحاب الشركات ومكاتب التكسي والباصات) ويشرح لها دورها أو مهمتها التالية أو واجبها لتعطيل حركة السير، والخروج في مظاهرات تُخلّد ذاكرة الشهداء، وفي بيانات أُخرى كانت تتخذ إجراءات تصعيديّة كالإضراب الشامل. ثمّ توضح (قاوم) في المنشورات وظيفة "القوّة الضاربة" لتطبيق النداءات. ومن الواضح أنّها القوة التنفيذيّة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي تشكل الرقابة على الشعب وتنفيذ نداءات (قاوم) التي شكلت مبادئ الانتفاضة.

مبادئ الانتفاضة باعتقادي غطت الكثير أهمها استمرار التعليم حتى لا يحقق الاحتلال نصرًا في سياسة التجهيل، بل في المنشور 64 (20/11/1990) اعتبرت (قاوم) الحصة الأولى درس لشرح الانتفاضة. وكررت مرارًا: أهميّة الاقتصاد البيتي والاستثمار الفلّاحي، نادت بتحسين ظروف العمال، وفي بعض المنشورات نادت بزيادة الأجر وإيجاد نظام عمّالي يحسن ظروف العمل. والامتناع عن دفع الضرائب، وحرّمت تجميع التبرعات ونادت بمقاطعة البضائع، والتصاريح، والعمل في الداخل المحتل. يليه أو يسبقه تحيات لأحزاب أو شهداء. ثمّ جدول الإضرابات، الكثير من الإضرابات الشاملة أو الجزئية في جدول مؤرّخ للاحتدام بالجيش، وتنظيم مسيرات ومظاهرات، رفع الأعلام، ومواجهات، وأيام لإحياء ذكرى الشهداء، ومسيرات لإحياء مناسبات وطنيّة. وأوامر بنشر مواد لزجة وحواجز في الشوارع الرئيسية والفرعية (المنشور الأول).

يُلاحظ من القراءة أيضًا أنّ ظاهرة الإشاعات سادت مُنذ بدايات الانتفاضة، حتى أنّ أحد المنشورات أُلحق بمنشورين لكي يقشع الاشاعات وينبه لها ويذكرها، وضّحت المنشورات أنها تغذّي "الاحتلال" وموردٌ لإضعاف الانتفاضة ومن صنع "الاحتلال" ذاته وأضافت المنشورات الأخيرة أنّ ظاهرة السرقات أيضًا من صنع الاحتلال.

مع الوقت هذه المنشورات صارت روتينيّة جدًا. وهو ما لاحظته (قاوم) لذا دعت ألا يكون الإضراب رتيبًا في المنشور (55) على الرغم من أن (قاوم) هي التي تنظمه-هُناك مأخذ آخر على النداءات غير الروتين، ملل تتبعها بعد حماسة فائقة. المطالب مستحيلة التنفيذ التي تنادي المجتمع الدولي أو تنادي بتنفيذ اتفاقيات جنيف، بحيث لا جمهور مُستهدف أو قوة لتطبيق اتفاقية دولية، بالتالي تعتبر قرارات كأن لم تكن. مثل المنشور 26 "تنفيذ اتفاقية جنيف 1949 وكافة الاتفاقات الدولية في الأراضي التي تنظم على الاحتلال بالأرضي المحتلة التنفيذ الفوري لقرارات مجلس الأمن في عدم ترحيل الفلسطينيين، قرارات رقم 607و608 و605."

لا يهم ذلك الآن. في النهاية اختفت تلك المبادئ. صارت منشورة على حبل الغسيل، بعد توقيع اتفاقية التسوية، إعلان المبادئ أوسلو عام 1993، تحوّل حملة المنشورات من مُقاومين إلى مَدنيين، ناس "يمارسون العنف" بحسب تعريفات بنود أوسلو.

مبادئ –أوسلو-في فلسفة القانون، تُمثّل شكل آخر من أشكال توليد "حالة الاستثناء". أحد أشكال هذه الحالة إصدار بروتوكولات وقوانين وبيروقراطية -لا ترغب بوجودك المُناقض لها-، أي بدلًا من تغييبك عن التعريف القانوني، تأتي لك بتعريف قانوني لا يرغب بوجودك-بوجود هويتك السياسية-.

بعد نظرةٍ أخرى، حسنًا. أعتقد أنّه مهمٌ جدًا النظر للمنشورات، من حيث، تُعتبر هذه المنشورات هي دستور بل مقدمة دستور، أو بأقل حالاته مصدر تشريعي تاريخي للفلسطينيين، وستحل محل "أوسلو" في حال تم العمل على إلغاءها عمليًا، بالمُقاومة. وإظهار الوقائع إلى السطح في وعينا جميعًا. يمكننا كتابة بحث طويل، في أنّ "أوسلو" ميتة قانونيًا. غير قانونية وباطلة بمطلقها لكثير من الأسباب أهمها أنها وبدون تعقيد تتنافى مع القواعد الآمرة في القانون الدولي.

إذا روتينيّة منشورات الانتفاضة كانت ذات معنى، هو كذلك القانون جامد، ومُمل ولا يتغيّر، لأنّه قانون. هذا ما يميّزه، وميّزَ المنشورات لأنها قانون. لذا كان الاستعمار الصهيوني يمنعنا من تداولها، وتبليغها من شخص إلى آخر، لتكوين مبادئ عامة تجمعنا، كان الاستعمار الصهيوني يمنعنا من تكوين مصادر ومبادئ لتكوين وتعبئة حركة تحررنا الوطنية بالمضامين.

كان البند الأول "فلنشعل الأرض تحت أقدام الاحتلال. والمواجهة بمزيد من التصدي حتى يصبح وجودهم في البلاد مستحيلا".

كما ستحل مبادئ تلك المنشورات مكان تلك الآراء التي تقول بالرجوع إلى قرار التقسيم رقم 181 الذي أصدرته الجمعيّة العامة للأمم المتحدة، فهي أيضًا غير قانونية.

 للتوضيح، قرارُ التقسيم كان في تاريخ 1947 أي لا يوجد شخصيّة قانونيّة تكونت للكيان الصهيوني لتكسب مركزًا قانونيًا. وإن افترضنا جدلًا في خيالنا وجودها. فبالرجوع إلى بنود اختصاص الجمعيّة العامة، والأمم المتحدة نجد أنّها انتهكتها. صلاحيّاتها فقط هي "توصيات بتقرير السلم" أما أبعد من ذلك فهو باطل. بالتالي ليس لها أي اختصاص في تقرير مصير شعب، أو تقرير إنشاء دولة، وبذلك يكون قرارها منذ نشأته باطلًا، وكذلك تنفيذه والاستناد إليّه في أيةِ حالة.

ذلك ما أرادته روحُ القيادة الوطنية الموحّدة للانتفاضة (قاوم) أن نتشبث بالتاريخ لمّا كان طبيعيًا، رفضت وجودَ التناقُض بين الطبيعي وغير الطبيعي وحدوث فجوةٍ في تاريخ الفلسطينيين؛ إذ في المنشور السادس أعلنتْ "رفض قوانين حالة الطوارئ البالية".

على كل حال لربما كلّه كلام فارغ أمام شراع كلمات كارل ماركس المُبحرة في قلوب الثوّار بقوالب مُختلفة "البشر يرون العقاب وليس الجريمة، وعندما لا يرون الجريمة عندما تتم معاقبتهم، يجب عليك أن تخشاهم، لأنهم سيأخذون بانتقامهم"

لأنّ حالة الاستثناء، اقتتال وجودي على عتبة التناقض. قوانينها منعت الناس من ممارسة حقوق طبيعيّة، منها التعبير عن الرأي، وقديمًا، هناك تاريخ طويل جدًا في منع المطبوعات منذ الانتداب حتى اليوم، من دون سبب، سبب نقتنع به. مثل إصدار قوانين تخص الصحافة مقيّده، فتغلق المطابع، أو إرسال تحذيرات، أو تعطيلها أو توقيفها، أو حظر توزيع مطبوعاتها، ومراقبتها عسكريًا وغيره حتى مُلاحقة حملة المطبوعات. هذا المنع يُلغي عملية مُتعبة، تبدأ من كتابة الكتاب بخط اليد، ثم قراءة الكتاب ونقله بترتيب الأحرف معكوسة من اليسار إلى اليمين لتظهر من اليمين إلى اليسار حتى تكون بشكل نهائي صحيح، من خلال كليشيهات. وكانت هذه هي عملية الطباعة لكل المطبوعات سواء كانت إعلانات أو مقالات أو كتب أو رسمة أو دعوة –عزومة-عرس.

وهم في مقابل منعهم مطبوعاتنا، وإذلال حامليها. كانوا يُدخلون سرًا مطبوعات أهمّها: العملات النقديّة. وهذا اقتباس من الموقع الإلكتروني "بنك إسرائيل -كتالوج العملات الورقية والمعدنية القديمة"

العملات الورقية والمعدنية هي ليست مجرد وسائل دفع؛ فهي ايضًا رمز للسيادة. عندما اجتمع المؤسّسون على أعتاب اقامة دولة جديدة، كان عليهم أن يحددوا لها عملة أيضًا. وبما أن اسم الدولة لم يحدّد بعد، طرح السؤال، ما الذي يجب طباعته على العملات؟ لم تكن امكانية لطباعة العملات في ارض اسرائيل – سواء بسبب وجود الانتداب الذي لم ينته وكذلك لعدم توفر الامكانيات التقنية المطلوبة. مع ذلك كان من الواضح بأنّ مطبعة تملك هذه القدرة خارج البلاد لن تطبع اموالا لدولة لم تقم بعد. وبعد محاولات الاقناع، حصل السيد ز. هوفاين، رئيس مجلس ادارة البنك الانجلو فلسطيني على موافقة شركة “اميريكان بانكنوت كو” في نيويورك لطباعة هذه العملات.

 

من أجل تجاوز الحاجة للحصول على موافقة وزارة الخارجية الامريكية على طباعة عملات دولة اجنبية، لم تحمل العملات التي تمّ التوصية عليها أي إشارة بأنها عملة قانونية. وطبعت عليها كلمات “عملة قانونية لدفع أي مبلغ كان” في وقت لاحق بشكل منفصل. كذلك امتنعت الشركة التي قامت بالطباعة عن تسجيل اسمها على العملات. اعتمد تصميم العملات على زخارف توفرت لدى شركة الطباعة كان قد استخدمت لطباعة عملات صينية!

 

وبما أنه عند طلب العملات لم يكن اسم الدولة معروفًا بعد، ولا اسم العملة، فقد كتبت على العملات كلمات “ليرة ارض اسرائيل”، عملة الانتداب.

 

وصلت العملات إلى البلاد بشكل سري في تموز 1948. في يوم 17.8.1948 شرّعت الحكومة قانونًا اعلنت فيه عن هذه العملة كعملة قانونية، ودخلت إلى التداول في 18.8.1948.​

 

لتزيين العملات اختارت اللجنة مناظر طبيعية من البلاد، ومن أجل تصميمها تمت دعوة مصممين وفنانين إلى المطبعة الكبرى للعملات في لندن، “توماس دي لا رو”. ظهر العملة مزخرف برسومات تجريدية.

 

لم يبد الجمهور اعجابًا بالرسوم التجريدية في السلسلة “أ”. ومع ازدياد الانتقادات، قرر المحافظ اصدار سلسلة جديدة، وأقام لجنة عمومية لتحدد ملامحها. اختارت اللجنة شخصيات من الحياة اليومية: عاملة في القطاف، صياد سمك، عالم وما شابه كمواضيع رئيسية، ومكتشفات أثرية مهمة كمواضيع ثانوية.

 

شكل وحجم العملات اختلف عن السلسلة السابقة. كانت الرسوم الأساسية من ابداع رسامين اسرائيليين. دخلت هذه السلسلة إلى التداول بين السنوات 1959 و1960، واستبدلت السلسلة السابقة تدريجيًا.

 

ابتداءً من هذه السلسلة وما بعدها طبعت العملات الاسرائيلية في أوروبا في عدة مطابع حكومية، أو في مطابع خاضعة للرقابة الحكومية.

 

 (رد المستوطنون بالاعتراض على محاولةُ إضفاء طابع فنّي على العملات. لم تكن تعبر عن هوسهم في الدولة، فالدولة لم تكن لترتبط بالمشاهد الطبيعية، بل وجوه صهاينة بل أفكار. كما أنّ هذه أعدّها ثاني محاولة للإيهام بوجود "ثقافة متجذرة"، لم تفلح. والأولى إعلان الاستقلال من متحف الفنون، ولنْ تفلح. ثمّ تتالت السرقات ومحاولات الايهام بوجود ثقافة قديمة بمحاولات بائسة بسرقة الثوب الفلسطيني، والأكلات الشعبيّة، والدبكة والموسيقى)

كان المعرضُ مليئًا بالكليشيهات، على الحائط وعلى طاولات وفي صناديق زجاجيّة، قلّبتُ نظري على الكثير. ومطبوعات قديمة، لدعايات المشروبات والأدويّة والشركات، ورسم لخريطة سياحيّة للقدس. مرسومة من اليسار إلى اليمين حتى تطبع من اليمين إلى اليسار، كانت كليشيهات من مواد صلبة بصلابة معنى مُستَملون على لساني، يتوارى المعنى ولا ألتفت له.

المطبوعات التي في القدس، دليل على حضورِ المدينة. كُنت بالكاد أصدق الكليشيهات، من منظوري الذي ضاق بعد عقود من بداية المشروع الصهيوني وفكرة الأسرلة. أتمسك بهذه القطع، لأنني اعتدت أن أسمع بالعاميّة أنّها راحت –عن القدس-. غير الطبيعي فُقدانها، واستعمارها واستبدالُ سُكانها صار طبيعيًا.

في ركن من المعرض، من بين الطاولات التي وضع عليها الكليشيهات، طاولة فيها مجلد ضخم، يحوي جرائد قديمة، صرت بلا وعي أقلّبها، قلبي يدق على عجل ويدي تفتح المجلد صفحة صفحة، حتى لا تتلف الصفحات بين يدي. تذكرت صورة جدي. لم يكن المصوّر يعرف، أنه سيلتقط صورة لجدي يبكي فوق اسمنت بيته دمعًا هو الإرهاق والحسرة. بيته في الجفتلك. ولم تكن أمّي تعرف أنّها بمجرد أن تريني الصورة، ستظل عالقة في رأسي، وأفكّر فيها حتى وهي بين يدي وأنا أطبعها على الماسح الضوئي (لأطبعها وأنساها في إحدى المكتبات مُعتقدة أنّها ما زالت في يدي) ولم أعرف أن أصلَ إلى المكتبة، أو إلى المصوّر لآخذ صورة أصلية، ولم أعرف أنني كنت أتذكر جدي وأنا أقلب صفحات المجلد، لم أعرف. حتى وصلت هذه السطور، لأعرف، نحنُ نوّرَّث ونورِّث النَظرات إنْ لم يتبق شيء.

جدي كان من طبعه، في المرات القليلة التي كنّا نراه، أن يلفنا بعباءته الصوفيّة. وكان يطبع ذلك فينا أثرا في الدفء بالمعنى، أكبر من دفء الصوف الحسيّ. كانت أول مرة أتعلم أن هناك دفء حسي وآخر معنوي، بمُقارنةٍ مباشرة.

قبل عدةِ أشهر، طلبت من فنانٍ شاب، أحبُ أعماله من الأردن، أن يرسم جدي. كنت أنتظر أفضل فرصة خلال –حجر الكورونا-ليرسلها. حسرةُ جدّي ما زالت معلّقة في مرسم الفنان، في الأردن. والآن، قصف وانتفاضة، ونابلس مُغلقة (مُغلقة؟ هذه إشاعة أُخرى؛ نحن من نقرر)

نابلس مختنقة كحنجرة جدي بالغاز والرصاص. أشعر أنّه ما زال يبكي فوق صدري، وصدر المدينة، وفوقَ كل بيتٍ يُهدم.

 

أزحت وجهي عن صورة جدي المطبوعة في ذاكرتي لأكمل الجولة في المعرض. على يميني غرفة، مكتوب على البطاقة التعريفيّة "اترك أثرًا-غرفة تفاعلية"، وكُتب " كان المراقب العسكري الإسرائيلي في فترة الستينات والسبعينات يحذف المقالات التي تُعارض سياسته".

دخلت.

ألصقت نُسخ جرائد قديمة على حيطان الغرفة، احتوت بعض الأعمدة الفارغة أي كان المراقب العسكري يعرف متى تطبع المطبوعات، ويمنعها في الوقت المناسب فلا يجد محررين الجرائد وقتًا للتعديل بتحضير مادة بديلة أو تعويض المساحة الفارغة بإعادة ترتيب توزيع الأعمدة، فتُنشر الجريدة مع مساحةٍ بيضاء للمادة الممنوعة، لكن لا نعرف ماذا تقول.

تُعطينا الغُرفة التفاعليّة المؤقتة قلمًا يعطينا قوةً ما لاستحضار الزمن وتغييره، لإلغاء قوانين حالة الاستثناء لو للحظة نفترضها. لحظة تمرين.

مرة أخرى، بصوتٍ أعلى: من صاحب السيادة؟ من يرفضُ حالة الطوارئ، ويُلغي حالة الاستثناء!

في الممرات، صندوق يحتوي شاشة موصول بها سماعات رأس، يعرض شخصًا يتكلم عن التعليم وتحسّينه (نسيت من، أو يتهيأ لي أنّه لم يذكر اسمه ولم أجد توضيحات حياله)

 في آخر محطة في المعرض، قدم شخصيّة فاطمة المُحِبّ، ولدت عام 1927، في حيّ الشاويش في مدينة القدس (أسأل نفسي عن حيّ الشاويش، تُرى أين هو؟ ماذا يحدث فيه الآن؟) كُتب عنها في الصفحة الثالثة من جريدة البشير المقدسيّة عام 22/4/1972 "حصلت فاطمة المُحب على بعثة لتفوّقها في جامعة إبراهيم باشا -المعهد العالي للفنون الجميلة في مصر، واستكملت دراستها في الولايات المتحدة الأمريكيّة.

رسمت المحب العديد من اللوحات التي عبّرت عن تأثّرها بالمشاهد الطبيعية المحيطة بها. وتخيّلت العديد من القصص التاريخيّة ورسمت شخصياتها في الكتب التعليمية المدرسية التي طُبعت في القدس. عملت المحب في مطابع القدس لفترة من الزمن، وصممت مواد سياحية وأخرى تعليمية ضمن عملها في وزارتي التربية والتعليم والسياحية الأردنيّين."

في آخر الجولة التي لمْ أتنعّم بها، كانت رفيقتي في الخارج ساخطة تُحضّر جرةً تطبعها من مزاجها السيء لتكسرها على رأسي. تناولت الكتيّب، وأعطيتها نسخة بالإنجليزيّة، لن تقرأه على أيّةِ حال.  

عندما خرجت، كانت تُلاحقني جملة هند الحُسيني في دفتر مذكراتها. المطبوعة على حائط المعرض.

هالةُ الكلمات؛ هالتي. يُرعبني ما حَمَلْته؛ ظلٌ أسود.

"وكأنّ الشعب الفلسطيني سوف يُمحى، أو ينقرض، لو مات أولئك"

لمّا قرأتها أول مرة على حائط المُتحف، استدعت ذاكرتي، فقرة، اقتباس من كتاب نيابةً عن موتى فرنسا.

"أجل ما من ميت إلا ويترك دفتر مذكرات ويطالبنا بأن نهتم بها. أما من لا صديق له فيجب أن ينوب عنه القضاء؛ ذلك أن القانون والعدالة أشدّ ثقة من حنان النسَّاء ومن دموعنا سرعانَ ما تجف. وهذا القضاء هو التاريخ"

التاريخ الذي سنكتبه بمقاومتنا حالة الاستثناء، والهرب من الرقابة الاستعماريّة العسكريّة لنكون مبادئ الانتفاضة.

فتحتُ الكتيّب. أخيرًا، المُستملي:

(هو القارئ لمخطوطة الكتاب الأصليّة، ويُمليها على الناسخين، وهو الوسيط بين المؤلف وجمهور قرّاءه.)

التفتُ خلفي لأرى الهالة التي توهّجت. كان المكانُ هادئًا جدًا.

 

 

 

 

 

من هو المستملي؟

من هو المستملي الجديد؟ ماذا يقرأ؟ المخطوطات الأصليّة؟ وكيف يقرأها؟ ثمّ كيف يملي؟ ومن يملي؟ وما هي المطبوعات الجديد؟

حاولت أن أُجيب على السؤال.

عمليةُ الطباعة بكَيْفيتها القديمة وفي شكلها الحالي البسيط، تشتركان بذات العناصر: كاتب، متلقي، والوسيط بين المعلومة وجمهور القرّاء. ومن دون القرّاء، لا تتم أي من العمليتين، لا بشكلها القديم أو الحديث؛ حتى يقوم تعريف المُستملي بشكله الصحيح.

يجبُ أن أُجرّد عملية الطباعة. سأُرجِعُ الكلمةَ إلى أصلها، وسأقرأ من المخطوطات الأصليّة.

في لسان العرب، الطبْعُ والطَّبِيعةُ: الخَلِيقةُ والسَّجيّةُ التي جُبِلَ عليها الإِنسان.

والطَّبْع: ابتداءَ صنْعةِ الشيء، تقول: طبعت اللَّبِنَ طبْعاً، وطَبعَ الدرهم والسيف وغيرهما يطْبَعُه طبْعاً: صاغَه.

والطَّبّاعُ: الذي يأْخذ الحديدةَ المستطيلة فَيَطْبَعُ منها سيفاً أَو سِكِّيناً أَو سِناناً أَو نحو ذلك، وصنعتُه الطِّباعةُ، وطَبَعْتُ من الطين جَرَّةً.

وطَبع الشيءَ وعليه يَطْبَعُ طبْعاً: ختم.

(طبع في السكون)

إذا الطباعة، أصلها من سكون حرف الباء، طبْع. ما جبله الله. أما ما صنع بيد الانسان، فتعني تحويل المادة خام إلى أداة كالسيف والجرّة.

أي تحويلُ المادة إلى صياغةٍ جديدةٍ.

ربما هو ما فعلته المُحب!

 كوّن استثمارها الفن في التعليم لديّ اعتقادًا أنها قامت بعمل المُستملي الجديد.  

التعليم كما هو بطبيعته له مُتلقين وهم الطلاب والطالبات، وأهاليهم. وما قامت به المُحب أنّها نظرت في التاريخ وأعادت رسم أشخاصه مجددًا وقدمتها للأطفال في كتاب تعليمي. ربما، ما قامت به المحب هو عمل المستملي الفنّي والمستملي الجديد. بقراءتها كتب التاريخ واشتغالها عليها فجعلتها مخطوطة فنيّة أصليّة ثم أملته على العاملين في المطبعة. سأحاولُ تعريف المُستملي الجديد، هو الكاتب القارئ للمخطوطات القديمة–المصادر-وإعادة صياغتها بشكل جديد يفهمه القارئ تعطيه قراءة للواقع، أو تدني الماضي للحاضر.

لكن لا يقتصر التعريف لأن عملية المستملي يجب أن تصل إلى الجمهور الذي يستقبل فقط نوعين من الخطاب لا ثالث لهما: إما خطاب يخلق الحاجة لأجل بيع المنتج\أو الخدمة أو تسويق معتقد إما استغلال حاجة لأجل بيع المنتج\أو الخدمة أو تسويق معتقد، والمطبوعات، بشكلها القديم والحديثْ هي الأداة لتحريك الرغبة على سبيل المثال تكون تحت حر الشمس فتصادفك دعاية لمشروبات سحويل وترغب أن ترتوي به. أو على سبيل المثال تقوم الحرب العالمية فتستغل حاجة الناس للهجرة، وفي فترات السلم تخلق الحاجة بإثارة الإرهاب فتعرض فلسطين في النهاية ليتقدم مُهاجرين يهود إليها.

والتحدي أن يختم أيٌّ من كتابتك في ذهن إنسان ما، من بين تلك المطبوعات التي يتلقاها، وأن يَلقاك بين فائض المعلومات ومن بين فائض إنتاجها من مُخرجات –ومعطيات-جديدة. أجل، لا يمكن إخضاع هذا الكم، لا رقابة عسكرية أو غيرها. لكنْ ليس كل ما طُبِع يطْبَعُ في ذهن الإنسان. هُنا يأتي عنصر إضافي للمستملي الجديد: التعامل مع الجمهور، عنصر خلق الخطاب وتحريك الرغبة كتابةً وعملًا، والتحايل، بسبك العبارات، وحُسن التعبير، والعمل على صقل أدوات نقديّة ومهارات سلوكيّة أمام الجمهور. لذا مهمة المستملي الجديد، مثل صعوبة ودقة وملل عملية الطباعة القديمة.

الطباعة في شكلها القديم خطيرة إلى حد تحريك مُهاجرين واقناعهم بقصةٍ ما.

الطباعة في شكلها الجديد خطيرة حتى يصل إلى التطبيع.

(طبع في الكسر)

طَبِعَ الثوبُ طَبَعاً: اتَّسَخَ. ورجل طَبِعٌ: طَمِعٌ مُتَدَنِّسُ العِرْضِ ذو خُلُقٍ دَنيء لا يستَحْيي من سَوأَة

والمُطَبَّع: الذي نُجِّسَ.

وهي الكلمة الأدق والأصح في اعتقادي لوصف التعاون أو الاشتراك أو التعامل أو دعم بالصهيونية بدل اشتقاقها من كلمة طبيعي. فالقصد شتم الشخص، أي أنّ الكلمة تدل على شعورٍ قلبيّ أكثر من وصف فعل. أجل، هذا قاموسنا! 

(في حديث الدُّعاء)

 اخْتِمْه بآمينَ فإِنّ آمينَ مِثْلُ الطابَعِ على الصحيفة؛ يريد أَنه يَخْتِمُ عليها وتُرْفَعُ كما يفعل الإِنسان بما يَعِزُّ عليه.

 

 

 

أشرتُ على رفيقتي أنّ في المتحف مكان جيد لأخذ صورة تطبعها على يومياتها في فيس بوك.

التقطنا صورًا أمام عمل تفاعلي، شاشةُ عرضْ تظهر عبارة

 "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

يمكن تغيير الخط من لوح ذكي أمام شاشة العرض.

"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

 

  

آمين. 

تلفّتُ حولي كمن يبحث عن شيء. تلفّت حولي كمن يحاول أن يقابل وجهًا، ولما هممنا بالخروج أسرعتُ قليلًا؛ ظننت أنني أريد تخطي ضيق المكان من الحشود. لكنّه مكان هادئ. مكان هادئ؛ مكان مخيف جدًا. 

الأحد، 10 يناير 2021

كيف تكممنا؟

 

كيف تكممنا؟  

"أيها الفقهاء لماذا الصمت عن قضايا تهمكم" –جورجيو أجامبن. 

 

كيف بدأنا في المتاهة ؟

 

 أغلقوا أعيننا، أرسلونا إلى المجهول. وصرنا نتجول في المتاهة. والحقيقة أن المتاهة أمامنا فارغة ولا أساس لها، لا عمدان، وتغيرت أسماؤنا.  ونحن مجهولو الأسماء لم نخترع طريقة لنعرف كيف ننادي بعضنا؛  فنبني جدراناً لمتاهتنا بأيدينا.

 

في هذه المقالة سأحكي لك كيف بدأنا المتاهة، وكيف تغّير اسمنا. 

في اتفاقية أوسلو أو إعلان المبادئ تعرّف "المرحلة الانتقالية" المرحلة التي خلقت "حكم ذاتي" سميَّ السلطة الوطنية الفلسطينية وأنشأ المجلس التشريعي الفلسطيني وأوكل لهما صلاحيات حكم ذاتي انتقالي لحين الاتفاق على النقاط الأساسية لمدة خمس سنوات لكن تحولت المرحلة الانتقالية من مدة زمانية، إلى شكل، إلى بنية زمانية اجتماعية، مرحلة تاريخية. وبهذا شلّ دور منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها من الأمم المتحدة، التي أوكل لها المجلس الوطني الفلسطيني مهمة تحرير فلسطين، إلى حين أن تنتهي المرحلة الانتقالية.  

المرحلة الانتقالية هي مرحلة البدء في المتاهة، لم نكن نعلم أنها متاهة إلا أن انتهت الخمس سنوات، ووجدنا أنه مرّ أكثر من 25 سنة ونحن في المرحلة الانتقالية؛ أزمة المجلس التشريعي ليست الحجة، أو مبرر "المأساة" التي يقع تحتها الشعب الفلسطيني حيث أنّ أزمة المجلس التشريعي حدثت في 2007، أي بعد اثنا عشرة سنة من اتفاقية أوسلو؛ المماطلة هي ما أحدث اختلال في توازن القوى.

قانون المطبوعات الفلسطيني 25/6/1995 [1]

- المادة 37 الفقرة (أ/3). المقالات التي من شأنها الإساءة إلى الوحدة الوطنية أو التحريض على ارتكاب الجرائم أو زرع الأحقاد وبذر الكراهية والشقاق والتنافر وإثارة الطائفية بين أفراد المجتمع.

حيث أن عبارة "الوحدة الوطنية" غير محددة مفهوماً أو محددة مدى أحقيته، حينها كانت اتفاقية أوسلو، ويعني مضموناً في رأيي أن ذلك يعني أن أية انتقادات توجه إلى السلطة الفلسطينية بسبب ممارساتها -أو إلى منظمة التحرير الفلسطينية بسبب توقيعها على اتفاقية أوسلو – أو ربما أي انتقادات بسبب تغيير ومحو الميثاق الوطني الفلسطيني، وتحويل مضمونه من خطاب تحرري وطني إلى مجموعة من المراسلات مع إسرائيل في عام 1993 والاتفاق على "التسوية سلمية عادلة وشاملة"[2] سيعرضك إلى المساءلة القانونية. وهذا ما سميّ ضمناً بالوحدة الوطنية، لأن مخالفتك لها يعرضك للمساءلة القانونية.  ولم أستشعرها إلا بدراسة القانون فليس من الصعب إيجاد استشهاد حول هذا الموضوع حيث يقول المحرر في الهيئة المستقلة الفلسطينية لحقوق المواطن في تاريخ 1999

"تعيش الصحافة الفلسطينية جواً من الإحباط والرهبة والرقابة الذاتية، وهي صحافة غير حرة إذ أنها مقيدة بالعديد من الضـوابط القانونيـة والممارسات غير القانونية. ونتيجة هذه العوامل وغيرها، فهي غيـر فاعلة في تنشيط الحياة السياسية وتوجيه النقد والمساءلة للحكومـة، مما يقلل من ثقة الجمهور بها. هذا ما يكشفه التقرير، والذي يؤكد أن حرية الصحافة والتعبير والديمقراطية وسيادة القانون، كل منها حاجة ملحة للآخر"

ويعتقد المحرر هنا أن السلطة الفلسطينية جاءت ممارساتها المُقيدة مخالفة للقانون، لكن في اعتقادي أنها لم تأت مخالفة بل عدم تفسير والتوسع والمطمطة في كلمة "الوحدة الوطنية" هو ما أتاح الحرية في فهم المفهوم، وجعل أي ممارسة ضمن القانون.

وكان هذا خط الدفاع الأول بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، تكميم الأفواه.

في تاريخ 28/9/1995 وقع على اتفاقية طابا، أو المشهورة ب "أوسلو 2" كانت لشد وثاق هذا التكميم، حيث أن الفصل الرابع المعنون بالتعاون ينص على

"سوف تسعى إسرائيل والمجلس لتعزيز التفاهم المتبادل والتسامح وبالتالي امتناع عن التحريض، بما فيها الدعاية العدائية، ضد بعضهما البعض، وبدون الانتقاص من مبدأ حرية التعبير، وسوف يأخذان الإجراءات القانونية لمنع تحريض كهذا من قبل أي من المنظمات، أو الجماعات، أو ضمن ولايتها"

كما نصت المادة 8 من البروتوكول الملحق للاتفاقية على

 "تشكيل الرأي العام بما يتناسب مع تحقيق السلام"

 وفي نفس الاتفاقية عن تحرير الأسرى أنه سيحرر دفعة من الأسرى في الفترة قبل التوقيع على هذه الاتفاقية والفترة قبيل الانتخابات، وهؤلاء يوقعون على تعهد، وهذا التعهد هو الموافقة على "التسوية السلمية" قبل خروجهم والاندماج في المتاهة. كما أن المادة 22 الفقرة 2 من نفس الاتفاقية تضمن من هذا التوقيع أن المنهاج التعليمي لن يحتوي ما يعكس على المُصالحة سلباً، ويساهم في السلام مع إسرائيل. ولاحظت في أيام الصفوف الدراسية، أن كتاب التربية الوطنية، كتاب مسكين جداً، بالأبيض والأسود، وورق من أسوأ نوع، وأذكر أنه كان حجم A5، فهو كتاب غير مدعوم من الجهات المانحة، لأنه يتحدث عن تاريخ غير المكتوب في كتاب التاريخ.

 وبالتالي فإن التشريع المسبق لقانون المطبوعات –الذي كان صادراً من الرئيس فقط وليس المجلس التشريعي -جاء ليمهد لاتفاقية طابا المؤسسة على المراسلات الفلسطينية الإسرائيلية عام 1993.

واليوم تطور "قانون المطبوعات" ليشرع قانون آخر "قانون الجرائم الإلكترونية" يراقب حسابك الشخصي على فيس بوك، حيث أن تعبيرك عن رأيك عندم تسألك الصفحة الأولى يجعلك معرضاً للمراقبة والتعقب كما هو في الحياة الواقعية، فكتّاب التقارير منتشرون أكثرهم في الجامعة – وينتهي بك موقوفاً ثمّ تحال إلى المحكمة فإما سجنٌ أو غرامة مالية. ويصير التهرب من كتابة "ماذا تفكر؟" أشبه بالتهرب الضريبي لكن عن أفكارك وعلى كل حال وبطريقة أو أخرى سيمسكونك، كسيارة الضابطة الجمركية.

وهو تأكيد على "تشكيل الرأي العام بما يتناسب مع تحقيق السلام".

وهذه الممارسات تنتقض من حق تقرير المصير التي تُلغي أداة أساسية في تحقيق الاستقلال، فمن أدوات تحقيق الاستقلال الارتكاز على حق تقرير المصير، والذي أصله حرية التعبير عن الرأي، من دونه لن يصل المجتمع الفلسطيني إلى شكل ما متفق عليه؛ لأن القانون لا يشتكل سوى من فهم المجتمع لمصلحة المجتمع، ولن يتمكن المجتمع من الاستفتاء على أي شيء، لأننا جميعاً تحت مراقبة؛ لأننا جميعاً وممثلنا الشرعي الوحيد، وأصواتنا، ودماؤنا، عُراة عن أهلية الوجود. في فرن نار كبير جداً نتشكل فيه بما يتناسب مع تحقيق السلام. وانتخاباتنا أيضاً في مراقبة من قبل الطرف الآخر في الاتفاقية. وهو ما يُعارض صراحة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في تاريخ 1966 والنافذ في 1967 فيما يتعلق بحرية الانتخاب. وليست هذه أول مخالفة لاتفاقية أوسلو لمبادئ القانون الدولي. كما جاء مخالفاً للميثاق الوطني نفسه، فلم ينظر المجلس الوطني الفلسطيني في التعديلات، ولم تعقد دورة لأجله.

وأما الفقد الثاني، الأداة الثانية التي لغيت بعد حرية التعبير عن الرأي، هي المجلس التشريعي الذي يستطيع تقرير واستخدام حق الاستقلال، وممارسته، فهو الممثل عن آراء الشعب الفلسطيني.

فاصلة،

أتذكر الآن حدثاً في نهاية 2019، أنا ومجموعة محامين ومحاميات ودارسين للعلوم السياسية عقدنا مقابلة مع أحد أعضاء المجلس التنفيذي فتح في مؤسسة Reform وكان موضوعنا عن إشراك الشباب في منظمة التحرير الفلسطينية، ودار الحديث عن لومه للشباب، ومختصر الحديث أن الحلول تأتي من الشباب، ثم صار تعليقه على ردة فعلي عن تعليقه، وأن عليّ أن أتعلم الدبلوماسية. مشكوراً. 

الملكية والسيادة في القانون الدولي: هل نَزَع القانون الدولي الملكية والسيادة عن الفلسطينيين بعد 1948 

 رأي مدرسة جون كويجلي مؤلف كتاب The Case for Palestine: An International Law Perspective تستند إلى فكرة السكان الأصليين.

 في مُعاهدة لوزان 1923، وهي المعاهدة التي وقعتها الإمبراطورية العثمانية إذعاناً لشروط المنتصرين في الحرب العالمية الأولى والتي قسمت أملاك (أراضي، جزر، وأموال) الإمبراطورية بينها وجلعت منها الجمهورية التركية، وبذلك استخرج جون كويجلي أننا نحن الفلسطينيين سكان أصليين حسب مواد مُعاهدة لوزان وحسب التاريخ، وأنّ لنا حق تقرير المصير والحق في السيادة والملكية وغيرنا يكون مقيم غير شرعي في الأرض. 

حيث كانت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، ثم استقلت بعد الحرب العالمية الأولى في كما جاء في مؤتمر فرساي 1919، حتى وضعت تحت نظام الانتداب الذي مهمته تقديم المنهج والمعونة، حتى يصل أفراد الشعب –أنقل حرفياً -لمستوى من الرقي يمكن الاعتراف بها أمة مستقلة تستطيع الاعتماد على نفسها. وبالرغم من أنّ قرار الجمعية العامة 181 يقسم فلسطين وينقص من حجمها الجغرافي، إلّا أن هذا لا يؤثر سلباً على حق تقرير المصير أو الاستقلال، كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة حفظت حق اللاجئين الفلسطينيين في قراراتها في أكثر من موضع، أبرزها أن حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف، وهذا وحده شافٍ.لكن الإرادة ذاتها في متاهة. 

أنظر أيضاً الإرادة الفلسطينية في غرفة المرايا 

وتغيّر اسمنا: حقوق الدول تختلف عن حقوق "حركات التحرر"

كأنّ هناك سباق ما لإخراجنا من القانون الدولي، وتحويل كل ما هو دولي "حرب نزاعات مسلحة" إلى الصفة المدنية على الأشياء، وعلى الناس وعلى الحدود، وأن المشاكل هي مشاكل إنسانية، وليست حرباً، أو استعماراً أو صهيونية، على سبيل المثال بسبب اتفاقية أوسلو، وتحديداً طابا، وبسبب التحوّل من الصفة العسكرية إلى الصفة المدنية، فإن أي مقاتل حرب يسمى الآن "إرهابي" أو "يقوم بممارسة العنف" وهكذا يسقط اسم العمل التحرري، وحقوقنا في اتفاقيات جنيف، اتفاقية معاملة أسرى الحرب، نصبح أناس عارين من الهوية التحررية؛ تغيّر اسمنا. لماذا سعينا لكسب صفةٍ تمحي طريق تحررنا؟

أيتها الراقصة ارقصي عنا جميعاً

ما زلنا على طريق التنمية "بناء دولتنا" جدراننا

بتاريخ 13/1/2021 صدر قرار رقم (20/2021) من مجلس القضاء الأعلى الانتقالي بتشكيل محاكم استئناف جديدة في بعض المحافظات بدلاً من أن يكون ضغط القضايا على رام الله، وهذا لا يدل سوى على أننا ما زلنا في حالة تنمية. ولم قد نبدأ بعملية التنمية قبل التحرر؟



[1] https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=2428 قانون المطبوعات الفلسطيني

[2] https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/5752_0.pdf الميثاق الوطني الفلسطيني بعد التعديل ويذكر أنه لم يعرض بعد للمجلس الوطني الفلسطيني