السبت، 21 يناير 2023

مشهد: تلة رافات.

 



التقاط صورة ليس لتوثيق لحظة بل لأجل تغييرها.  

غيّرتُ امتداد بصرنا على تلة رافات الذي انتهى بأبراج تل أبيب التي تخنق مدينة يافا وتتملق غروبنا، إلى ناس من كل أنحاء فلسطين كانت طوال النهار تغني لتاريخنا الأصلي. تلك هي الرفقة الجيدة، تستطيع تغيير المشهد رغماً عنه. 

الجمعة

٢٠/١/٢٠٢٣

 رافات، بلد يحيى عيّاش. 

الأحد، 28 أغسطس 2022

العرض المسرحي لوين: ينتظرون أن يتكلم أحد ويتحدث كالشخصيّات.


آخرُ مشهدٍ قرأته في قصّة للشهيد الكاتب غسان كنفاني: دخل جنديان بيتاً وأمر ساكنيْه، وهما شابين بالاستدارة للحائط، يحاول أحدهما أن يُلمّح للآخر أمراً، وتنتهي القصّة. وكنت سأستمر في قراءة سلسلة أعماله إلى أنْ خطط نادي القراءة في المدرسة للذهاب إلى معرض الكتاب في رام الله (وكان ذلك عام 2013/2014) أي كنت خمسة عشرَ سنة، اقتنيت كتاباً من المعرض بسببه لم أكمل قراءة السلسلة إلى اليوم.  

 شد انتباهي بين بحور وأعمدة الكتب كتاب متوسط الحجم، غلافه أسود، رسم بلون أحمر دقيق قنبلة يدويّة جسمها يشابه القفص الصدري، وداخل القفص جذور. اسمه نظريّة اللعبة. أتذكر أنّني قرأت عن المصطلح في كتاب ما، أو ربما عرفتها في فيلمBeautiful Mind أو على الأغلب من مقالة.

نظريّة اللعبة، مصطلحٌ في علم الاحتمالات، هدفه إيجاد دالةٍ في المعادلة للحصول على منفعة خاصّة. ولتتبع النظرية عليك بسؤال: ما هو أفضل قرار في هذه الحالة للحصول على منفعة لصالحي من أمام أعين خصمي أو خصومي؟ وإن كنت ستخسر أو ستخسرين، فما هي أفضل خسارة أمام حالةٍ معيّنة؟

حملته، فوجدته كتاب قصص، وأنّ الكاتب خالد عودة الله من القدس. كان يكفيني وقتها معرفةُ أن شخصاً أو شيئاً من "القدس" لأُحبّه إلى الأبد. وأعتقد أنّ هذه الحالة الملحّة ما زالت من نفسي.  

وبدأت في قراءة القَصَص. أبطالها يهربون ويحاولون إيجاد مخرج من رتابة الحياة اليومية التي أنهت على قصص بطولتهم الأصليّة. بها رمزيّة، بل لا يصلح أنْ نقول رمزيّة، عالمه أقرب إلى عالم الفن التشكيليّ. فكك خالد عودة الله الحالة النفسيّة العامّة وحولها إلى مشهد بصري. وفكك أول جملةٍ تسمعها أثناء دخولك رام الله "وصلنا ال DCO " حاجز مركز التنسيق والارتباط من خلال قصّة، كانت فيها الشخصيّة الأساسية أسيرة لسنوات لدى العدو الصهيوني قبل أوسلو. وهان عليه ذلك فدا لعيون فلسطين إلا أنّه بعد أوسلو أصبح موظفاً في ال(D.C.O).

تلك الأحرف قرأها في القصّة بالعربية، من اليمين، (اوه. سي. دي) فأظهرت اللغة العربية حقيقتها. بهذا الترتيب أصبحت اختصاراً لمرض اضطراب الوسواس القهري الذي اجتاحه بعد اصطدامه مع سجّانه كموظف رسميّ في مكان عمله الجديد.

جعلني أتساءل دائماً عن هذه المفارقة كما تساءلت الشخصيّة بين السطور: متى حدث كل هذا؟

لم أترك فتاة في نادي القراءة إلا وحدّثتها عن القصص ولا أملًّ من تقديم استهلاله "وكأنني الأضّاد في رجل تقاتله وحوش يده". لا شعورياً بعد أن قرأت الواقع بعد أوسلو لخالد عودة الله أبت نفسي الرجوع لقصص الشهيد، بداهةً رفضت نَفَسه. وربما رأيت من العجب التّعلق بكاتب قديم يروي زمانه.

الشهيد الكاتب ولد قبل النكبة، عاشها وحضرَت في كتابته بشكلها العادي المنكوب والجحيميّ، وحضَرَتْ بفلسفة قهر الحياة في أبسط صورها عندما شقت هرّة ضائعة صدر قطٍ نائم لتجد الحليب –مجموعة عالم ليس لنا-.

كم أشعر بالمقت، أمتعض، دون القدرة على إيجاد تبرير واضح في ذكرى اغتياله، جعلنا ننشغل كل ذكرى بسؤال: أين يقف دوف؟ ولماذا لم يدقوا جدران الخزان؟  تكرار لذات الصور المكتوبة والمرئيّة، كنفاني هنا، كنفاني هناك.  

لماذا نتذكره، لأنّه كاتب أم شهيد؟ ناجي العلي أيضاً لماذا نتذكره، لأنه رسامٌ أم شهيد؟ بعد اغتياله تبقت رسوماته، روحه كإنسان مهموم بالقضايا لم يتبق منها سوى الصور المغطسة بالهزيمة العمياء من نجيع الردى عليها، تجمّدت فيها حالة الخسران والانهزام، فحتى تمثاله كإنسان في عين الحلوة حطم.

هما كانا يقومان بعملهما وما يمليه عليه ضميرهما إلا أنّ القوة التي جعلت منهما رمزاً للقضيّة والشعب الفلسطيني مثل المفتاح والكوفيّة لم تقوَ لتختر رموزاً أُخرى، مما يجعل ذكراهما نوعاً من نفوذ تلك القوة ومداداً لحياتها بالتالي وذاكرتها المليئة بالخسارة، فتجمّدت حالة الخسران والانهزام. ومن الخطر عليها أن تحضر كتابةُ جديدةٌ فتطغى على وجودها. لمّا قرأت خبر اعتقال خالد عودة الله، ربطتُ أخيراً أنّه هو كاتب "نظريّة اللعبة". كنت أنظر إلى صورته مكبل اليدين أظنّه مغرقاً في التفكير يقول ما هي أفضل خسارة لي، ما هو أصلح فوز لي، أمام هذه الحالة؟    

حديثاً فقط، عقدت النيّة لقراءة كل أعمال الشهيد من أجل، من أجل ألا يفوتني شيء. فأنا بالنسبة لي رميته في البحر، لقد كنّا في قارب سويةّ وكرهته وألقيت به مع كنزٍ من الرموز! لقد آذاني في قصصه وحضوره الجامد.

وطوال الوقت آمنت أننّي خرجت من الجمود الذي تركته الرموز إلى أنْ اكتشفت دائرة أوسع من الجمود أنا بداخلها العرض المسرحي "لوين؟" (عرض في مركز خليل السكاكيني، 25/8/2022).


جلس الممثلون في حلقة، ونحن الجمهور خلفهم. خلفنا صوت الموسيقى ثم امتزجت مع أصوات همس الممثلين، فتبعه صمت.

 


 قام أحدهم، نادى "في حدا هون؟" وقف يتكلم مع نفسه، تحدث عن حاله مستغيثاً أن يرد عليه أحدهم، أو أحدنا ربما.  

مّر على كلٍّ منهم. مَن وقف أمامه استفاق مقلداً حركاته أو تعبيراته حتى نشعر أنّهم شخصٌ واحد. ثمّ بطريقة سلسة، تكلمت كل شخصيّة عن معاناتها، فكلام يجر كلام كما هي الدنيا التي نشاهدها أمامنا. سألت نفسي بعد خمس دقائق من المسرحيّة لماذا أتيت لأشاهد وأسمع كلاماً أعيشه؟ تبيّن أنّهم من جعلونا نسأل.  

طرحت آخر الشخصيّات معاناتها عن إشكال المسرح؛ فتقول الشخصيّة بطريقتها الكوميديّة أنّها تصاب بالهلع عندما تمثّل، لا تعرف متى تدخل فجأة في حالة يصبح كل شيء حقيقيّاً كأنّه الدنيا.

وبابتسامات عريضة وزّعوا على كلٍ منّا ورقة وقلم مكررين "اللي بدك إيّاه اكتبه". لاحظت أنّه رغم الإضاءة الخافتة، والسريّة، منّا لم يكتب وتوتر وفكّر. كتبت كلمة "فساد" بعرض الصفحة ورسمت كلمة "خراب" ظلاً لها.  

سألوا "حدا بده يحكي؟" ظننا السؤال جزءاً من المسرحية ثم تكلمت شخصيّة إلى أن أدركنا أنّها كانت من ضمن طاقم الممثلين أيضاً. ثم أعيد السؤال علينا حتى وجدوا من بين الجمهور من قال "أنا" وسلطوا عليه الضوء، ولما أنهى حديثه، كرر السؤال على الجمهور حتى أجاب ثاني، وكرر السؤال حتى أجابت ثالثة. وردد ذات السؤال مرات منتظرين أن يتكلم أحد ويتحدث كالشخصيّات إلى أن تحقق أن لن يرد على السؤال أحد.

لم يكن في القاعة سوى ثلاثة. أما نحن، أنا والبقيّة كنّا مستمتعين بانعكاس ظلالنا التي تتحدث بصوتٍ مرتفع وجرأة وسط الحضور. تبيّن أنّ سؤالي الاستنكاري "لماذا أتيت لأسمع كلاماً أعيشه؟" أحمق مُتعالي. جئت لأشاهد ناس يمثّلون حياتنا البائسة لكن ليس لدي تعليق على ذلك، كأن مأساتنا اليوميّة سر. الأمر لا يتعلق بمهارات الحديث بل بدا أنّنا لا ندرك ولا نفهم الصراحة في الحديث، ما زلنا نستشعر بالجنود يفتشوننا، أو اعتدنا أن يتحدث عنّا رمز.

 

الاثنين، 11 يوليو 2022

قراءة استطلاعية في التقارير السنوية لمجلس القضاء الأعلى

 "سنعمل بحسم وسرعة لتعزيز سيادة القانون وحماية استقلاله ومنع التدخل في شؤونه" البرنامج الانتخابي لفخامة الرئيس محمود عباس. 19/1/2005

 

بتاريخ 15/7/2019 صدر قرار بقانون يحمل الرقم 17/2019 لتشكيل مجلس القضاء الأعلى وسمّي بالانتقالي لأنّه أناط بها إصلاح وتطوير القضاء والنيابة العامة، نحو ما يكفل سيادة القانون، ولهذا المجلس الانتقالي صلاحيات مجلس القضاء الأعلى –العادي-في قانون السلطة القضائية، رقم (1) لسنة 2002.

ولأجل الإصلاح والتطوير القضائي وهب القرار بقانون صلاحية للمجلس الانتقالي إعداد مشاريع معدلة لقانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة 2002م وتعديلاته، وأي قوانين أخرى من رزمة القوانين القضائية، على نحو يمكنها من الاستجابة لمتطلبات التطوير والإصلاح، وتقصير أمد التقاضي، وتعزيز فرص الوصول للعدالة. (المادة 2/4 من القرار بقانون)

والقرار بقانون، ألغى تشكيلة مجلس القضاء الأعلى العاديّة وحدد أعضاء المجلس الانتقالي بالاسم الشخصي، أي أنّ هذا القانون لا يسري إلا على هؤلاء الخمسة بالاسم الشخصي ثمّ ذكرَ عضوين آخرين بالاسم الوظيفي وهما النائب العام ووكيل الوزارة.

والقرار بقانون، ألغى المادة رقم(34) من قانون السلطة القضائية رقم (1) لسنة (2002) التي تنص "لا يجور لمن جاوز عمره السبعين أن يبقى في وظيفة قاضٍ" حتى لا يتعارض القرار بقانون مع القانون لأنّ عمر بعض الأعضاء المُختارين بالاسم الشخصي تجاوز السبعين.

والقرار بقانون، حدد للمجلس الانتقالي مدة ولايته. 

وبعد انتهاءه صدر قرار بقانون، قرار تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى بالاسم الشخصي. وهذا القرار بقانون هو قرار تعيين (وهو ما يخالف المبادئ الأساسية لنظريتي الحق والقانون، التي يدرسها طالب السنة الأولى) 


ودعونا نغض النظر عن تلك المخالفة في قلب القانون وفي حق تشكيلة مجلس القضاء الأعلى! 


إنّ الثلاث الأهداف الأساسيّة للمجلس الانتقالي والمجلس الذي يليه وكل المجالس السابقة هي: التطوير والإصلاح وتقصير أمد التقاضي وتعزيز فرص الوصول للعدالة.

وكانت رسالة المجلس الانتقالي كما ذكر في تقريره* الذي رفع لفخامة الرئيس هي: توفير البيئة القضائية المناسبة متعاونة مع الشركاء لدعم الجهد والإصلاح.

*والتقرير، هو التقرير السنوي الذي يصدر عن مجلس القضاء الأعلى، عبارة عن ذكر لإنجازات السنة القضائية، موجزاً عن أعمالها في المحاكم كافة، والمعيقات والتوصيات والأهداف للسنة القادمة، وتوضح السلطة القضائية رؤيتها ورسالتها، والتحديات التي واجهتها، وما تم إضافته للقضاة، كذلك يتناول إحصاء عدد القضايا الواردة والمفصولة، وبيئة عمل القضاة. وهدف هذه التقارير توضيح التحديات والعوائق وتوضح ما يتوجب عليه القيام به من أعمال لإصلاح القضاء، والسيطرة على تراكم الدعاوى، ويرفع التقرير إلى فخامة الرئيس. 

في هذه القراءة الاستطلاعية سنقرأ تقريري المجلس الانتقالي سنة 2019 وعن سنة 2020.

في التقارير السابقة، للمجالس العاديّة، حددت المعيقات والتحديّات في أمورٍ تقنية، أو بشرية أو فنيّة أو إداريّة، وشح الميزانيّة. وأنّ المشاريع في التقارير السابقة، هي ذاتها المشاريع التي استكملها المجلس الانتقالي (من ميزان 2) ومشروع سواسية ومشاريع تتعلق في تدريب القضاة أو تطوير خدمة أو تطوير بناء محكمة.

وفي التقارير السابقة، ذُكر وفصّل في احصائيّات أن القضاء يعاني من الاختناق القضائي، أي زيادة عدد الوارد من القضايا بالنسبة للمفصول منها ومع تقدم السنوات صارت التقارير السنوية تضيف أهمية وجود أبنية لائقة للمحاكم وتطوير الخدمات وإقامة المشاريع.

وهي أمور مشتركة بين التقارير السنويّة بشكل عام مع تطور الأحداث من سنة لأخرى.


كما أنّه مشترك مع تقريري 2019 و 2020. 

 تقريريّ مجلس القضاء الانتقالي 2019 و2020 ذاته جاء في تقريره أنّ المعيقات هي أمور فنيّة وإدارية (مقدمة تقرير 2019 وصفحة 55 من التقرير2020) وأمور تتعلق بالميزانية حيث أنّ الميزانية للسلطة القضائية هي 0.65% من ميزانية السلطة الفلسطينية فيما تصل النفقات العامة 16 مليار شيقل، أما ميزانية السلطة القضائية هي 95 مليون شيقل، مما يقلل من اجتذاب الكفاءات للسلطة القضائية حيث لم يتغير راتب القاضية أو القاضي منذ 2002 حتى الآن ولم يجر أي تعديل عليه. (صفحة 69 من التقرير السنوي 2020)

 وأقتبس من تقرير 2019 صفحة 9 "وجديراً بالذكر أن استقطاب القضاة الجدد وخاصة في الدرجات العليا في المحاكم أمر ليس يسير، نظرا لاستنكاف الكفاءات المؤهلة عن العمل في النظام الفضائي لاعتبارات تدني الرواتب، ومقارنة بمتوسط دخل المحامين المؤهلين للعمل في سلك القضاء"

 تقرير 2020 تحديداً ذكر وأقتبس من صفحة 17 "كان هنالك نقص شديد في أعداد القضاة والموظفين الإداريين، عدا عن لحاق بعض القضاة في المحاكم دون الحصول على التدريب والتأهيل الكافي"

ومن جهة فإن المجلس الانتقالي يرى الضعف في المتقدمين للوظائف القضائيّة (صفحة 55 من 2020)


أي مواطنة أو أي مواطن تعامل مع المحاكم النظاميّة يعرف ويعرف جيداً وأن أكثر ما يضايقه  هو شح الكادر البشري من الموظفات والموظفين مما يعيق الجمهور الذي يبحث عن العدالة من الوصول إليها أو إنجازها.  

في ذات الوقت، ورغم شح الكاد البشري والكفاءات تم استحداث القسم المختص للنظر بقضايا العنف ضد المرأة في محكمة بداية نابلس حيث افتتح مجلس القضاء الأعلى بصفته ممثلاعن السلطة القضائية، وبالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة ضمن الجزء الخاص بها تحت إطار برنامج سواسية II المشترك.

إنّ وحدة النوع الاجتماعي أيضاً تحتاج إلى كادر بشري وموازنة خاصة له وتجهيز محكمة خاصة له، وهي غرفة في محكمة نابلس، مما ضيّق محكمة نابلس أكثر، رغمّ أنه جاء في تقرير المجلس الانتقالي ذاته أنّ محكمة نابلس غير لائقة لا تتوافر فيها الشروط الصحيّة وتحتاج لتوسعة بمقدار 2500 متر مربع إلا أنّه تم إلغاء هذه التوسعة بسبب عجز في الميزانية.

في تقريره 2020، وفي قسم آخر من التقرير: بيئة العمل القضائي، وهو قسم مهم حيث قال رحمه الله المحامي الدكتور عثمان التكروري "العدالة البطيئة ظلم" 

فقد جاء في التقرير عدة أمور تبطئ من نظام العدالة، وهي الأمور الإدارية، وضعف تخطيط المصادر البشرية. منها أن عمل المحاكم يعتمد بشكل أساس على الكاتب والمحضر والمراسل، وأقتبس من التقرير 2020 صفحة 58 "إلا أنّه يلاحظ تدني هذه الفئة والدرجة لهذه الشريحة مما ينعكس على الأداء بشكل سلبي، ويجب تحسينها." 

أي أنّ معظم المعيقات كانت معيقات إدارية وفنية، ولا تتعلق بتعديلات تشريعية، لكن مجلس القضاء الأعلى الانتقالي استخلص بالنتيجة منادياً فخامة الرئيس أنه حتى يتمكن المجلس الانتقالي من إمكانية عمل الأعمال الموكلة إليه يجب أن يعالج المعيقات وتعديل قانون السلطة القضائية وأنّ على المجلس الانتقالي تعديل التشريعات ذات العلاقة، ورزمة القوانين وهي القوانين الثمانية التي أعدها، والمسموح له تشريعها كما وهبه إيّاها القرار بقانون الذي عيّنة رقم 17/2019 والمحددة له مُسبقاً في مهامه.

 حيث أنّ مجلس القضاء الأعلى الانتقالي لتطوير إجراءات العمل لقضائي التي ستنعكس إيجابا على الفصل في الدعاوى حيث يوجد زياد في مقدار عدد القضايا المدورة بالنسبة للمفصول بحسب الاحصائيات، وما زالت بارتفاع. " وضع تصوّراً للتعديلات التشريعية الضرورية"! 

أي باحث أو باحثة سيعرف، أن الإحصاءات تحاول تفسير البيانات بإعطاء جمل من المعطيات لايجاد استنتاجات قد توجه الباحثة أو الباحث إلى سبب معين يكون هو المعيق الحقيقي فتعالجه، وهو ما كان تقوم به المجالس السابقة، وحدد تلك المعيقات بأمور مادية، فنية وإدارية مثل المجلس 2019 و2020، لكنه استنتج أنه يجب أن يعدل التشريعات الإجرائية. 

 وأقتبس من التقرير (إن هذه المنهجية في هذا التقرير الحالي من الناحية الفنية تعكس إلى حد بعيد واقع القضايا أمام المحاكم النظامية من الناحيتين الكمية والنوعية) 

فوجد أنه يجب أن يسهل الوصول إلى القضاء، ففرض تشريع الرسوم الجديدة في المحاكم النظاميّة وألغى مجانية التقاضي.

وجد أنه يجب عليه أن يقصر عمر التقاضي، فجعل التبليغ بالإلصاق، وفرض عطلتين وألغى عمل الشرطة في الملفات الجزائية. 

وجد أنه يجب عليه أن يصلح ويطور، ففرض أن يكون تأجيل الجلسات فقط لمدة 15 يوماً، طبعا هو ما أتمناه أن تكون تأجيلات الجلسات قريبة، لكن مع عدد القضاة القليل؟! سينهك القاضي ويموت تدريجياً تماماً، موتة شطرنجيّة. 

حيث أن عدد الملفات، وأتحدث عن محكمة نابلس، في اليوم تقريباً ينظر القاضي بالمتوسط 40 ملفاً وإذ أجلها جميعها بعد 15 يوم، أي اليوم رقم 15، سيكون لدى القاضي 80 ملفاً لينظره، وهكذا. 

إنّ التحديات والمعيقات التي أدلى بها مجلس القضاء الأعلى الانتقالي هي ذاتها أو تدور في مدارها، من الأمور الفنية والإدارية والبشريّة مع تطور بعض الأحداث والتحديات والتطورات في كل تقرير للمجالس المنعقدة السابقة التي وضحتها. وإن الأهداف مماثلة وهي تطوير والإصلاح وتقصير أمد التقاضي وسهولة الوصول إلى العدالة. وهذه الأهداف والمعيقات والتحديات لم تكن لتحتاج قرار بقانون حيث أن مجالس القضاء السابقة كانت تقوم بأعمالها. لذا كل تلك المعطيات التي أدلى بها مجلس القضاء الأعلى الانتقالي لا تعطيه حتى صلاحية استخدام المادة الثانية من القرار بقانون 17/2019 الذي عيّن به.


إن ما يحتاجه القضاء حقاً...

  • ميزانية على أقل تقدير 7%، فالأمن الذي يرصد له 16% ليس أجدر من القضاء وهو أساسه/
  • نحتاج رقابة قضائية يكون مقرها بعيداً عن مجلس القضاء الأعلى. نحتاج أن نحافظ على استقلال السلطات الثلاث. 
  • وأن نطور مهنة المحاماة في التدريب والتأهيل والبحث والتمثيل الدولي، ومعاقبة المخفقين الغافلين المقصرين عن حمل الرسالة. 


رابط التقارير السنوية لمجلس القضاء الأعلى



السبت، 22 مايو 2021

في سؤال المعرفة: نقد نقد متراس

 

نقد نقد متراس:

كتبت هذه التدوينة في نفس يوم نشر مقالة باب العمود: النصر واضح والمتسلقون كُثر، الأخيرة كَــــتَبَتها هيئة تحرير متراس بعد انتهاء أحداث باب العمود الأخيرة التي كانت في اليوم الأول من رمضان، 13 أبريل/نيسان. 

أحداث باب العمود الأخيرة كانت تدور مجددًا حول وضع معيقات وحجز حريّة السير. أغلقته حكومة الاحتلال-القوة المُسيطرة-بسواتر حديديّة فاشتعل فتيلُ المواجهات. بعد انتهاء المواجهة، وثّقت هيئة التحرير صورة، تتلخص في أنّ "نصر" شباب القدس في إزالة الحواجز الحديديّة تسلّق عليه أشخاص. سؤال المقالة من الذي تسلّق على هذا النصر؟ حددت صفاتهم أنّهم: وسطاء، سواء كانوا بسطاء أو أصحاب قوة  في البرلمان. وعرضت متراس هذه الحالة إلى السطح في هذه مواجهة وغيرها من المواجهات التي حدثت أمام باب العمود في السنوات السابقة. لذا من ناحية دقة المعلومات تعتبر استثنائيّة، لأن هذه الصورة اعتمدتْ على توظيف الصحافة الصوريّة، التي تعتمد على الملاحظة والمشاهدة، وهو من أوائل الأدوات لتكوين حصيلة معلومات، لقدرتها على تجميع معلومات من فترات قصيرة سابقة، وهو أمر مهم، لتكوين صورة أقرب لنا، نحن البعيدون، وللقريبن الذين لم يشاركوا في الحدث، أو للمشاركين حتى يتذكروا الحدث، وقد تساعد كاتبًا أو كاتبة فيما بعد لكتابة مادة أخرى تتصل بها. 

 لكن، أخطأت هيئة التحرير، في رأيي، في التحليل، والذي يُختصر في القول أن في هذه المواجهات، أنّ  ما حرصت شرطة وبلدية الاحتلال على صنع النصر (من وضع الحواجز حتى نهاية المواجهات بإزالة الحواجز) ليبدو على هذا النحو، أنّه تم من خلال واسطات، من خلال ايجاد "من يمكن التحدث معه" في مواجهاتٍ لاحقة" حتى  ليبدو أن "ثمار الوساطة" قد آتت أكلها. أي أنّ المقالة، أفادتنا أنّ القوة المُسيطرة- حكومة الاحتلال-تحاول ايجاد وساطات مع أي مواجهات قادمة -وهي من أوجدت هذه الواسطات كي تدخل ويكون لها دور-، وحولت النصر سيناريو.

هل هذا النقل والتحليل يتوافق مع كيف هيئة التحرير تفهم متراس، ومع المبادئ التي طرحتها للمقالة الجيّدة في مقالتها "أين تتعثّر الكتابة؟

"كل ما يُمكن أن يوضع في طريق مشروع الاحتلال. إنّه محاولة لربط صناعة المحتوى الإعلامي والمعرفي، بما يقدّمه الفلسطينيون لـ"المقاومة" في معناها العامّ؛ تنظيمات وأفعال سياسية، ومقاومة الناس في اليوميّ. وتشمل الكلمة هنا الانطباعات الذهنيّة والممارسات الفعليّة، والعلوم والمعارف الفكرية والنظرية."-كيف نفهم متراس. 

 إذا نظرنا إلى عملية المراقبة، أولًا، فمن البديهي، أن تأتي النظريّة قبل المراقبة، لمعرفة ماذا نراقب؟ جُمَلْ الكلمات التي نكتبها بعد رؤية حدثٍ ما تأتي نتيجة تخمينٍ ما، فنــلتقط صور استطعنا مُلاحظتها في الواقع الحيّ نتيجة تَخمين ماذا سنلاحظ؟ كالتدريب على التقاط اللون الأحمر في غرفة الصف، أو مثلما يعلق اسم شخصٍ ما على لسانك بسبب شجار، أو إعجاب، يجعلك تنتبه لكل اللافتات التي تحمل اسمه في البلد. 

ولأنّ النقد خيمتنا الأخيرة. أعتقد، أخطأت هيئة التحرير، في انتاجها للمعرفة. من حيث، المعرفة العلمية التي كان من الممكن أن تنتج من المقالة، لم تتحول سوى إلا موقع قد يتحوّل، بالعكس، من "كيف نفهم متراس" إلى موقع به يصطدم هذا الإنتاج اصطدامه بالإيديولوجي (للقوة المسيطرة) من المعرفة، دون إنتاج حقيقي للمعرفة. 

وبدأ سؤالي أيضًا بِمُلاحظة. لمّا توالت الإغلاقات بالحواجز كلَّ سنة. استغربت من القوة المُسيطرة في اختيارِها الموعد، والطريقة، لمراتٍ عديدة. لماذا؟ ورافقه سؤالٌ آخر، كان سؤالي: لماذا يجب اعتبارُ إزالة تلك الحواجز انتصارًا؟ في كل مرة. 

هيئة تحرير متراس بذاتها قالت أن الحواجز وضعت لأجل خلق واسطات، أي أنّ هناك هدف. إذا لماذا عنونتْ المقالة ب"نصر"؟ وحتى لو أنّه مجرد عنوان، لماذا يجب اعتبار أنه نصر مُتسلق عليه؟ أي، لماذا لم توجه الأسئلة باتجاه القوّة المسيطرة لتحليل فعلها، فهيئةُ التحرير تدرك أن القوة المُسيطرة هي من خلقت "الواسطات" المتسلقون على "النصر"؟ وأنه سيناريو مُسبق كما أوضحت عدة فقرات في المقالة. وأقتبس مرةً أخرى " في مشهدٍ ربما حرصت شرطة وبلدية الاحتلال على صنعه ليبدو أن "ثمار الوساطة" قد آتت أكلها، وبالتالي هناك "من يمكن التحدث معه" في مواجهاتٍ لاحقة. "

لذا..

 لماذا اعتبرناه نصرًا إذًا؟  

إذًا كان الأولى توجيه الخطاب على هذا النحو، أن نضع صورة كبيرة أمام أعيننا؟ تُذكرنا، أنّهم في كل سنة يدرسون ويستشعرون نبض الشارع؟ بوضع متاريس أو كاميرات، مجرد تجارب. لخلق توتر وتشتيت. فهل نفرح يا رفاق أمام التجربة؟ تجربة معدة مسبقًا؟ 

إنّ هذه دراسة! كيف يؤثّر الثواب والعقاب على سلوكنا؟ كيف يؤثر وجود الواسطات؟ مثل دراسة الأثر أو السلوك. وبحسب قواعد المنهج العلمي مُجددًا، فإن الدراسة، تبدأ بالملاحظة والتجربة، وهو ما يحدث كل مرة، في الكواليس، إذ يخمنون نظريةً ما لملاحظتها. وليس الهدف وضع حواجز. بالتأكيد. بل خلق سيناريو لدراسته. لماذا لم يكن سؤال المقال على سبيل المثال، لماذا تصر حكومة الاحتلال على صناعة واسطات؟ أو لماذا تصر حكومة الاحتلال على وضع حواجز؟ والبحث عن أسئلة علميّة عقلانيّة. أعتقد أنّ النضال والمقاومة، كما نفهم متراس، أن نجتهد في تحليل هذه المُعطيات المتوفرة، لمعرفة الفرضيّة (أو النظريّة المُخمّنة) وليس أخذ المعطيات كما هي، وعرضها.

وأُضيف، مما يثير اللبس، أن ننهي جُملنا "أن الناس تعرف من معها ومن ضدها" بهذا نخلق شُبهات على كل فلسطيني؛ وكل فلسطيني يجب أن يثبت فلسطينيّته! مما يعزز ثقافة إقصاء الآخر. الإقصاء سياسة حكومة الاحتلال العامة. أعتقد، أنّ المقالة لا تخلق وعي جمعي موجه نحو هدف ما. لا ترقى أن تكون متراسًا، بل تنطق ما ينطق به حكومة الاحتلال. 

 "لا بد، إذن، من إخضاع الفكر المسيطر لنقد هو القادر، من موقع هذا الفكر النقيض، على تحرير العلمي الذي يتضمنه، أسيرًا في الشكل الذي ينبني فيه كقول هو القول المسيطر الذي يظهر كأنّه قول العقل الجمعيّ"-مهدي عامل

 أكد مهدي عامل في حديثه عن الصراع العرفي في كتابه "هل القلب للشرق والعقل للغرب؟": القوة المسيطرة لا تكبح الإنتاج بالمطلق، بل تجعله غير متمردًا ولا ثائرًا، تجعل المعرفة التي ننتجها تـُـنتج من أجله، ونعيد تكوين نفسه فيها فنُساعد في تشاملها -الذي قد يخيّل إلينا لاحِقًا أنّه قول جمعي-. وإنّ لم نسيطر على انتاج معرفتنا، من خلال أسئلتنا، أي، أسئلة موجهة لنا نصبحُ تُرسًا في آلتها وليس متراسًا في طريقها. 

 لذا أعتقد أن المقالة كانت عرض صور، دون تحليل كافي حتى النهاية بحيث تناقض عنوان "النصر" لأنها أفهمتنا بوجود سيناريو، ووجود واسطات؛ سيخرج القارئ حاقد عليها وليس على حكومة الاحتلال الذي جعل منها واسطات، بالتالي هذه المقالة ساعدت في تشامل القوة المُسيطرة أكثر-وتعميم ثقافة الإقصاء- بخروج قرّاء حاقدين على أشخاص فلسطينيين سواءًا أولئك الواسطات التي عيّنت مسبقًا من حكومة الاحتلال أو أولئك الذين كتبوا المقال. 


الجمعة، 21 مايو 2021

الاستراتيجيّة العسكريّة: سياسة وفلسفة المقلوب

هذه "الدولة" وهم، يجب فقط أن تحدق قليلًا وتحقق النظر

 

يمكن تعريف "الخطة الاستراتيجية العسكرية" بالتصميم الفكري والعملي الذي يسبق البدء بإعداد أي عمل عسكري وتنفيذه. وهي تشمل العمل العسكري كله؛ فترسم معالم مسرح العمليات والوضع العام والموقف العسكري؛ وتحدد المهمات والواجبات، والاحتمالات والتطورات المتوقعة؛ وتضع لكل حالة محتملة ولكل تطور متوقع طريقة، المعالجة والمواجهة، وتُبيِّن القوى والوسائط اللازمة [1]

تأتي هذه المقالة لتعرض الاستراتيجيّة العسكريّة التي شكّلت النظام الصهيوني في فلسطين. كانت بفضل استراتيجيّة عسكريّة مدروسة ومنظمة وهي المقلوب.  

"من الملاحظ أن المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على رأسها وليس على قدميها (ويمكن أن نسمّيها الاستيطان الصهيوني المقلوب) فقد كان هناك مزارع الكيبوتس وهي تنظيمات زراعية هدفها الاستيلاء على الأرض التي ستزرع وتكون طبقة مزارعين يهود. كما هناك "الهستدروت"، وهو نقابة عمال تهدف إلى خلق الطبقة العمّاليّة"، وذلك على خلاف كل النقابات العمّالية التي لا تظهر إلا كتعبير عن وضع قائم بالفعل...وكان هناك تنظيمات عسكرية تهدف إلى خلق شعب يهودي. أي أن الجيش يسبق الشعب...بل أن الجامعة العبرية نفسها تأسست بادئ الأمر كمبان وهيئة تدريس في انتظار الطلبة...حكومة، فدولة، فشعب"[2]  

سياسة المقلوب، في كل أمر حتى التفاصيل الصغيرة -التي تصير مُهمة أيضًا بعد الانتهاء من كل كبيرة-، حيث بدأت بتصميمها العسكري وأساسها النظري بقلب عبارة، الأرض للشعب، إلى أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، لذا أول التصميم والنيّة هو القضاء على الشعب بالمجازر، أو تفكيك المفاهيم المكونة لكلمة الشعب، بالترانسفير أو الأسرلة، وبناء عمق استراتيجي ببناء المستوطنات، وتنظيم نقل اليهود إلى فلسطين، لإتمام الاستيطان الاحلالي الصهيوني في فلسطين، وتحقيق العبارة. لذا ستعرض المقالة تطبيق الأسس النظريّة للمقلوب بشكليها المادي الواقعي والقانوني أو القانوني الفلسفي، ثمّ ستأتي لعرضٍ من الأسئلة، والأدوات الاستفهاميّة.

تنشأ الدولة حسب القانون الدولي المُعاصر من أربعة أركان:

1.    الشعب: ذا التاريخ والثقافة المشتركة.

2.    الإقليم: مساحة أرض وحدوها

3.    السيادة: أن تفرض الدولة قوانينها على الإقليم

4.    أخيرًا الاعتراف الدولي.

بالمقارنة، قانونًا، هذه الأركان لم تبدأ سوى من النهاية، من الاعتراف الدولي، وستنتهي بتحديد إقليمها. وبدأت بمجموعة من الوقائع المادية.

فالأصل، وجود الشعب ثمّ تنظيمه من خلال حُكم مبني على عقد اجتماعي من أساسه الشعب وتسمى حكومة. لكن في الهرم المقلوب، تبدأ بتنظيم-عسكري-ثمّ تنظيم نقل الشعب (إن كانوا يُسمّون شعبًا أصلًا، حيث أنّ هذا الركن مختل، فلا تاريخ أو ثقافة مشتركة، فيهود الغرب يختلفون عن يهود الشرق، دون النظر إلى اليهودي العلماني وغيره كلهم جمعهم الكيان في منطقة واحدة.) كان تنظيم نقل اليهود إلى فلسطين، بقوانين، فلم يسمى المُستوطن لاجئ حرب، أو نازح ولا أقبل بتسميته مهاجر بالتأكيد، بل مستوطن لا يملك حق شرعي لمواطنته. وهذه القوانين مثل قانون "العودة" وقانون الهجرة الاستيطانية الصهيونية غير الشرعية. والتي يعني بمفهوم المخالفة، أن كل هجرة هي مشروعة، ما عدا...وكانت ما عدا تلك التي تخرج عن الحسابات الاقتصادية والديموغرافية "للدولة" بحيث لو زاد اليهود المتدينون يجب نقل يهود علمانيون، وإن زاد الشرقيين يجب زيادة الغربيين، وهكذا حتى تحقيق هدف زيادة عدد المستوطنين اليهود على الفلسطينيين. فلو كانت سياستهم غير مقلوبة، لبدأت ببؤرة معيّنة بشكل طبيعي ثمّ توسّعت، لكنها تشكلت من خلال وقائع ماديّة تختلف عن الطبيعية.

 

 

الوقائع الماديّة

الواقعة الأولى، إنشاء الشركة، الواقعة الثانية، أذرع الشركة، الواقعة الثالثة، الجيش. الواقعة الرابعة: تنظيم نقل اليهود إلى فلسطين.

واقعة إنشاء شركة

يوضح الراحل عبد الوهاب المسيري في موسوعته: "وصفت الصهيونية "تصريح بلفور" بمصطلح عقد شراكة والمعنى الجوهري أن إسرائيل هي شركة استيطانية تشبه الدولة وظيفتها نقل كتل بشرية غريبة وتوطينها في منطقة محددة لاستغلالها اقتصاديا في عقد نفعي بين دول استعمارية كبرى دون أي استشارة أو وزن للمالكين الأصليين.

الشراكة بتعريف القانون هو تضامن بين اثنين، يتحمل كلا الطرفين التزامات الآخر. وصدق عبد الوهاب المسيري. ففي ذلك مثال اتفاقية الحفاظ على التفوّق العسكري لإسرائيل maintaining Israel’s Qualitative Military Edge  

هناك تاريخ طويل لهذا القانون منذ 1960 لكنّ صار شكله النهائي كما هو في 2008[3] "اتفاقية" كفاءة تجييش إسرائيل الأمريكية. "في عام 2008، سن الكونجرس تشريعًا يطالب بأن أي صفقة مقترحة لبيع الأسلحة الأمريكية إلى أي دولة في الشرق الأوسط بخلاف إسرائيل يجب أن تتضمن إخطارًا للكونغرس (يجب أن تصادق عليها السلطة التشريعية) مع تحديد أنَّ بيع أو تصدير مثل هذه الأسلحة لن يؤثر سلبًا على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على الجيش تهديدات لإسرائيل ".[4] هي ليست اتفاقية بين دولتين، بمعنى تلتزم كلا الدولتين بالتزام معيّن مقابل واجب معين، متبادل. ليست اتفاقية بل قانون، إلزام، بالرغم من وجود مقابل وهو المال، الذي هو بالأساس دعم من الولايات المتحدة الأمريكية. أي أن كل اتفاقية بيع لإسرائيل تعتبر أمرًا مفروغًا منه، قانون، فهي ابنتها وتولدت منها. أما غيرها يحتاج موافقة من الكونجرس كأي اتفاقيّة دوليّة.

كما أنَّ الكيان الصهيوني شكل جمعيّة–اقتباسًا من كتاب دولة اليهود، هرتزل –وهي:

1-    تمويل: بتكوين الصندوق القومي اليهودي، وتبرعات اليهود الأثرياء.

2-    قوة تشغيلية: الاستيطان العمالي للأرض أو الزراعي

3-    صندوق نقل الملكيّة

4-    الجيش

الواقعة الثانية: مؤسسات دولة داخل الدولة

·       هربرت صموئيل-وزير بريطانيا سابقا- ولوليس بولس

عام 1930 تسلم هربرت صموئيل من لويس بولس الإدارة "المدنيّة" على فلسطين أي فترة الانتداب البريطاني، لم يقم لويس بولس بالإدارة إلا لفترة قصيرة وأدرك أن في الدولة التي يديرها أنّه يتشكل دولة أُخرى داخلها، نفس المؤسسات، لكن مصغّرة وعندما تحدث بولس في الأمر نقل وتسلمها هربرت صموئيل ووقع الأخير على ورقة كتبها بولس أنه تسلم فلسطين وحدة واحدة، فأضاف هربرت صموئيل "حسب الظروف".

أدرك بولس أنّ هناك دولة أخرى تنشأ في أرجاء فلسطين تابعة لليهود، وكان ذلك مستغربًا لأنه هو مسؤول الإدارة "المدنية" في فترة الانتداب، مَن يعطي الأوامر فلماذا تُعصى أوامره؟ لاحظ أنّ كل وزارة تنشأ أو مؤسسة في الدولة يتم تشكيل أخرى أصغر بالتوازي معها.

وهكذا بعد التطهير العرقي، تختفي المؤسسات الأصلية الأولى أما المؤسسات والوزارات الطفيليّة المستحدثة تبقى. [5]

الواقعة الثالثة: جيوش منظمة واستخبارات  

كانت الجيوش الصهيونية المنظمة:

·       تصنع السلاح وتطوّره بالإضافة إلى حيازتها أسلحة بريطانيا.

·       تقوم بإرهاب البريطانيين والفلسطينيين.

·       تدرس كل قريّة.

·       تدرس طبيعة المجتمع وموطنيه.

أي بالنتيجة فصلّت الفلسطينيين، شكلًا؛ طرق احتلالها، ومضمونًا؛ الناس ونشاطاتهم.

من ثمّ أسست مستعمرات. الجدير بالذكر، أن المستوطنات، تشكلت أفقيّاً، من الساحل حتى نهاية الحدود، حتى سكة الحجاز؛ لتقسيم فلسطين، والقدرة على السيطرة عليها. حيث نرى في الدقيقة 28:53 حتى 29:20 من الفيلم الوثائقي النكبة -خيوط المؤامرة، صورة خريطة فلسطين، تَعرض خطة نشر المستعمرات في فلسطين وكانت بشكل أفقيّ. مكتوبٌ عليها "أرضُ إسرائيل". وهو ما شرحه فيما بعد إيال وايزمان في بحثه "أرض جوفاء " عن الهندسة المعمارية للاستيطان بعد عام 1967 وَهي ذاتها، والنهج المتبع منذ عام 1920.

الأركان القانونيّة (فلسفة المقلوب في القانون)

الأصل كما قلنا إنّ الدولة تتكون بعناصرها الأربعة، لكن بالمقلوب بدأت بركن الاعتراف الدولي عن طريق:

1.    "حل الصراع"

لجان حل الصراع، أمر فرض على السكان الأصليين، مقترحات سببها السلاح، وهي لا أصل لها من مبادئ العدالة، هذه ليست منازعة حدوديّة أو مشاكل لاجئين أو مهاجرين جدد، بل تطهير عرقي واستعمار استيطاني احلالي.

2.    أطروحة الفراغ السيادي:

 بعد خروج الإدارة الأردنيّة مما أطلقت عليه "الضفة الغربية" وبعد خروج الإدارة المصريّة ممّا أسمته قطاع غزة. انتهزت الدولة الاستعمارية خروجهم. بهذه الأثناء اعتمد موشيه ديّان قائد القوات العسكريّة "الإسرائيليّة" أطروحة قانونيةّ، وهي أطروحة قديمة، لكنّ تم طرحها مجددًا بعد خروج كل من مصر والأردن. أطروحة الفراغ السيادي. وشرَح، أو برر، أن خروج الإدارة الأردنية والمصريّة شكل "فراغ سيادي"، حيث أن تلك المناطق لا سيادة فيها، ما يؤسس إلى تحويل الغزو فعلاً مشروعًا، والنضال فعلًا مجرَّمًا؛ لأنّ لا أساس مشروع له. يعني أن تلك الأرض لا سيادة مُعيّنة عليها، أي لا يوجد أشخاص يحكمونها -أو يستطيعون حكمها. بالتالي نفى وجود شعب أصلي فيها، وأعدم أساس الحيازة القانوني للأرض. مصطلح يُغيّر مركزنا القانوني، يقلبه، من شعب أصلي له إرادته الحرة، له الحق في تقرير مصيره والسيادةِ على أرضه، إلى ناس لم تقرر بينها قانونًا وحكمًا وتنظيمًا ليحكم بينها أو ينظم حياتها، ولم تكن شعبًا أو جزءًا من أمّة ذات تاريخ مشترك.

كانت هذه الأطروحة الرائجة، أو التي يروّج لها، وهي اليوم مرفوضة في القانوني الدولي المعاصر، لأنها تُعدم حق السكان الأصليين.

وما ساعد على حصولها على اعتراف دولي هو وقوف الولايات المتحدة الأمريكيّة معها، لتنال عضويتها في الأمم المتحدة، لأنّها كما جاء من أسباب قبول عضويتها في الأمم المتحدة "أنها دولة محبة للسلام".

حتى الآن...سياسة المقلوب، في انتاجنا للمعرفة.

 

الجهاز المفاهيمي النظري لبنيوية المؤسسة، أي، أدواتُ مَعرفته وتعريفه، يقلب كلمة شهيد إلى مخرّب، فهذا قلب. فإن شهيد كلمة تعرف فعل نضالي تحرري أما مُخرب، والمعرفة باتفاقيات أوسلو، تحولك إلى شخص يقوم بفعل يشبه.."تخريب ممتلكات عامة"، أو إلى من يقوم ب"أعمال عنف"، وهذه الأخيرة أيضًا معرّفة في اتفاقات أوسلو، ومعرفة في قوانينهم أيضًا. وأضيف أنّه في ذات الاتفاقيات من بنودها؛ أن يبحث "مرشد تربوي" أفعال هؤلاء "المخربين" و"الذين يقومون بأعمال العنف".

بالإضافة إلى هذا القلب، فإنّ بنية الاستعمار الاستيطاني الاحلالي (بنية المؤسسة) تجبرك على التحدث بكلمات ومفردات محددة. بأن نستخدم الكلمات التي يُعَرِّفونا بها. تُجبرنا القوة المُسيطرة، على استخدام جهازها المفاهيمي. بما يقلب مفهومنا عن نفسنا ظانين أنّ هذا هو وعينا الجماعيّ.

على سبيل المثال، في اعتقادي، ما حدث في الحراك الفحماوي. كانت لافتات الحراك الفحماوي ومنشوراته ضد الشرطة تنبذ "العنف" وأنّها مُظاهرة "ضد العنف، والجريمة، ضد التواطؤ والفتن" أو "معالجة مظاهر العنف". ولم يقل المتظاهرين أنّها مُظاهرة ضد العنصرية حتى. ولم يقل الحراك أنّها ضد الإحلال، أو ضد الصهيونية، أو التطهير العرقي.

بالتالي ستكون النتيجة خلخلة ما تبقى من العقل الجمعي القديم، وترسيخ تلك الكلمات في العقل الجمعيّ. وبالتالي لن نُسمي الأشياء بمُسمّياتها، بل سنصبح ترسًا في آلتها، توسّع من آلية انتاجها، فتحاكينا كأننا أقليّة، ولسنا أصحاب البلد. فغداً أو بعد غد وعلى هذا المنوال سنهتف بالعبرية حتى يفهموننا، لأننا نستخدم مفاهيمهم، ليتقبلوا هتافنا، ويُصبح غضبنا مُبررًا.

في وجه العملة الآخر، في شرق فلسطين، لا يسمى الأسير معتقلاً كما في غرب فلسطين.

المُعتقل هو الذي يُحجز بسبب فعلٍ جزائي. والأسير هو الذي يحتجز خلال النزاعات المُسلحة. الخطف هو احتجاز شخص ما، ويكون فيها القَصد الجرمي معقودًا لأجل تقييد حُريّته الجَسديّة.

 تُذاع الأخبار في شرق فلسطين عندما يخرج أحدهم من السجن، أنّه "أسيرٌ " ويتبعها "محرر" قلب المفاهيم هنا كانت لإضافة الوهم على العقل الجمعيّ أنّ هناك نزاعات مُسلّحة قائمة، وأنّه تحرر بفعلٍ نضالي كما كأنّه كان في حرب وأتت النجدة أو صفقة أحرار، لتحريره. رشدي أبو المخ فعلها، حرر الكلمات، في لقاء معه بعد خروجه من الخطف المستمر المُقنن، قال على التِلفاز وأمام الجميع "انتهت فترة محكوميتي".

لذا هل يمكننا أن نسير في سياسة المقلوب؟

 

ما نفعله في الكنيست وخارج الكنيست هو شيء خاطئ تمامًا، فهذا الكيان يمشي على رأسه وليس على أقدامه-ويمكن تناول أي موضوع من هذا المنطلق-فالقوانين الداخليّة في الكنيست ومنذ 1956 جرّمت وحرّمت أن يكون هناك صوت يعادي طبيعة الدولة اليهودية. وكما رأينا تجربةُ المناضلين خارج الكنيست تطولها قوانين تُعرّف أفعالهم بأنها أفعال إرهابيّة معادية لطبيعة الدولة، بل ينزل به إلى عمل تخريبي، كمن يخرب ممتلكات عامة أو تسميتها بأعمال عنف، كما سميت في اتفاقيات أوسلو وكما سميّت في بروتكولات الكنيست.

ما نحتاجه هو قلبُ الهَرَم كما قلب علينا. وليس التفكير في حرب رومانسيةٍ مستمرةٍ للحرية، بل استراتيجية واستعداد عقلي تامْ للمعارك كعقليّة جندي بمفرده في الحرب. حتى نبني أساسات دولتنا يجب قلب الهرم، بالبدء بالهرم ذاته. -يجب التحفظ والمحافظة على الهوية، وبناء مؤسسات داخل مؤسسات "الدولة" ويجب أن تكون مؤسسات قوية، وطنية. هذا الوتد يجب أن يكون قويًا جدًا. ويجب استخدام الكلمات الصحيحة، لنتمكن من تحليل الواقع. وقبل كلّ ذلك إيجاد وخلق أدوات لتحقيق ذلك قبل محاولة تحقيقها ذاتها، أي، إيجاد أدوات للمعالجة. بالتصميم الفكري والعملي الذي يسبق البدء بإعداد أي عمل نضالي، ورسم معالم مسرح العمليات والوضع العام وتحدد المهمات والواجبات، والاحتمالات والتطورات المتوقعة؛ وتضع لكل حالة محتملة ولكل تطور متوقع طريقة، المعالجة والمواجهة، وتُبيِّن القوى والوسائط اللازمة.