الأحد، 10 يناير 2021

كيف تكممنا؟

 

كيف تكممنا؟  

"أيها الفقهاء لماذا الصمت عن قضايا تهمكم" –جورجيو أجامبن. 

 

كيف بدأنا في المتاهة ؟

 

 أغلقوا أعيننا، أرسلونا إلى المجهول. وصرنا نتجول في المتاهة. والحقيقة أن المتاهة أمامنا فارغة ولا أساس لها، لا عمدان، وتغيرت أسماؤنا.  ونحن مجهولو الأسماء لم نخترع طريقة لنعرف كيف ننادي بعضنا؛  فنبني جدراناً لمتاهتنا بأيدينا.

 

في هذه المقالة سأحكي لك كيف بدأنا المتاهة، وكيف تغّير اسمنا. 

في اتفاقية أوسلو أو إعلان المبادئ تعرّف "المرحلة الانتقالية" المرحلة التي خلقت "حكم ذاتي" سميَّ السلطة الوطنية الفلسطينية وأنشأ المجلس التشريعي الفلسطيني وأوكل لهما صلاحيات حكم ذاتي انتقالي لحين الاتفاق على النقاط الأساسية لمدة خمس سنوات لكن تحولت المرحلة الانتقالية من مدة زمانية، إلى شكل، إلى بنية زمانية اجتماعية، مرحلة تاريخية. وبهذا شلّ دور منظمة التحرير الفلسطينية المعترف بها من الأمم المتحدة، التي أوكل لها المجلس الوطني الفلسطيني مهمة تحرير فلسطين، إلى حين أن تنتهي المرحلة الانتقالية.  

المرحلة الانتقالية هي مرحلة البدء في المتاهة، لم نكن نعلم أنها متاهة إلا أن انتهت الخمس سنوات، ووجدنا أنه مرّ أكثر من 25 سنة ونحن في المرحلة الانتقالية؛ أزمة المجلس التشريعي ليست الحجة، أو مبرر "المأساة" التي يقع تحتها الشعب الفلسطيني حيث أنّ أزمة المجلس التشريعي حدثت في 2007، أي بعد اثنا عشرة سنة من اتفاقية أوسلو؛ المماطلة هي ما أحدث اختلال في توازن القوى.

قانون المطبوعات الفلسطيني 25/6/1995 [1]

- المادة 37 الفقرة (أ/3). المقالات التي من شأنها الإساءة إلى الوحدة الوطنية أو التحريض على ارتكاب الجرائم أو زرع الأحقاد وبذر الكراهية والشقاق والتنافر وإثارة الطائفية بين أفراد المجتمع.

حيث أن عبارة "الوحدة الوطنية" غير محددة مفهوماً أو محددة مدى أحقيته، حينها كانت اتفاقية أوسلو، ويعني مضموناً في رأيي أن ذلك يعني أن أية انتقادات توجه إلى السلطة الفلسطينية بسبب ممارساتها -أو إلى منظمة التحرير الفلسطينية بسبب توقيعها على اتفاقية أوسلو – أو ربما أي انتقادات بسبب تغيير ومحو الميثاق الوطني الفلسطيني، وتحويل مضمونه من خطاب تحرري وطني إلى مجموعة من المراسلات مع إسرائيل في عام 1993 والاتفاق على "التسوية سلمية عادلة وشاملة"[2] سيعرضك إلى المساءلة القانونية. وهذا ما سميّ ضمناً بالوحدة الوطنية، لأن مخالفتك لها يعرضك للمساءلة القانونية.  ولم أستشعرها إلا بدراسة القانون فليس من الصعب إيجاد استشهاد حول هذا الموضوع حيث يقول المحرر في الهيئة المستقلة الفلسطينية لحقوق المواطن في تاريخ 1999

"تعيش الصحافة الفلسطينية جواً من الإحباط والرهبة والرقابة الذاتية، وهي صحافة غير حرة إذ أنها مقيدة بالعديد من الضـوابط القانونيـة والممارسات غير القانونية. ونتيجة هذه العوامل وغيرها، فهي غيـر فاعلة في تنشيط الحياة السياسية وتوجيه النقد والمساءلة للحكومـة، مما يقلل من ثقة الجمهور بها. هذا ما يكشفه التقرير، والذي يؤكد أن حرية الصحافة والتعبير والديمقراطية وسيادة القانون، كل منها حاجة ملحة للآخر"

ويعتقد المحرر هنا أن السلطة الفلسطينية جاءت ممارساتها المُقيدة مخالفة للقانون، لكن في اعتقادي أنها لم تأت مخالفة بل عدم تفسير والتوسع والمطمطة في كلمة "الوحدة الوطنية" هو ما أتاح الحرية في فهم المفهوم، وجعل أي ممارسة ضمن القانون.

وكان هذا خط الدفاع الأول بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو، تكميم الأفواه.

في تاريخ 28/9/1995 وقع على اتفاقية طابا، أو المشهورة ب "أوسلو 2" كانت لشد وثاق هذا التكميم، حيث أن الفصل الرابع المعنون بالتعاون ينص على

"سوف تسعى إسرائيل والمجلس لتعزيز التفاهم المتبادل والتسامح وبالتالي امتناع عن التحريض، بما فيها الدعاية العدائية، ضد بعضهما البعض، وبدون الانتقاص من مبدأ حرية التعبير، وسوف يأخذان الإجراءات القانونية لمنع تحريض كهذا من قبل أي من المنظمات، أو الجماعات، أو ضمن ولايتها"

كما نصت المادة 8 من البروتوكول الملحق للاتفاقية على

 "تشكيل الرأي العام بما يتناسب مع تحقيق السلام"

 وفي نفس الاتفاقية عن تحرير الأسرى أنه سيحرر دفعة من الأسرى في الفترة قبل التوقيع على هذه الاتفاقية والفترة قبيل الانتخابات، وهؤلاء يوقعون على تعهد، وهذا التعهد هو الموافقة على "التسوية السلمية" قبل خروجهم والاندماج في المتاهة. كما أن المادة 22 الفقرة 2 من نفس الاتفاقية تضمن من هذا التوقيع أن المنهاج التعليمي لن يحتوي ما يعكس على المُصالحة سلباً، ويساهم في السلام مع إسرائيل. ولاحظت في أيام الصفوف الدراسية، أن كتاب التربية الوطنية، كتاب مسكين جداً، بالأبيض والأسود، وورق من أسوأ نوع، وأذكر أنه كان حجم A5، فهو كتاب غير مدعوم من الجهات المانحة، لأنه يتحدث عن تاريخ غير المكتوب في كتاب التاريخ.

 وبالتالي فإن التشريع المسبق لقانون المطبوعات –الذي كان صادراً من الرئيس فقط وليس المجلس التشريعي -جاء ليمهد لاتفاقية طابا المؤسسة على المراسلات الفلسطينية الإسرائيلية عام 1993.

واليوم تطور "قانون المطبوعات" ليشرع قانون آخر "قانون الجرائم الإلكترونية" يراقب حسابك الشخصي على فيس بوك، حيث أن تعبيرك عن رأيك عندم تسألك الصفحة الأولى يجعلك معرضاً للمراقبة والتعقب كما هو في الحياة الواقعية، فكتّاب التقارير منتشرون أكثرهم في الجامعة – وينتهي بك موقوفاً ثمّ تحال إلى المحكمة فإما سجنٌ أو غرامة مالية. ويصير التهرب من كتابة "ماذا تفكر؟" أشبه بالتهرب الضريبي لكن عن أفكارك وعلى كل حال وبطريقة أو أخرى سيمسكونك، كسيارة الضابطة الجمركية.

وهو تأكيد على "تشكيل الرأي العام بما يتناسب مع تحقيق السلام".

وهذه الممارسات تنتقض من حق تقرير المصير التي تُلغي أداة أساسية في تحقيق الاستقلال، فمن أدوات تحقيق الاستقلال الارتكاز على حق تقرير المصير، والذي أصله حرية التعبير عن الرأي، من دونه لن يصل المجتمع الفلسطيني إلى شكل ما متفق عليه؛ لأن القانون لا يشتكل سوى من فهم المجتمع لمصلحة المجتمع، ولن يتمكن المجتمع من الاستفتاء على أي شيء، لأننا جميعاً تحت مراقبة؛ لأننا جميعاً وممثلنا الشرعي الوحيد، وأصواتنا، ودماؤنا، عُراة عن أهلية الوجود. في فرن نار كبير جداً نتشكل فيه بما يتناسب مع تحقيق السلام. وانتخاباتنا أيضاً في مراقبة من قبل الطرف الآخر في الاتفاقية. وهو ما يُعارض صراحة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في تاريخ 1966 والنافذ في 1967 فيما يتعلق بحرية الانتخاب. وليست هذه أول مخالفة لاتفاقية أوسلو لمبادئ القانون الدولي. كما جاء مخالفاً للميثاق الوطني نفسه، فلم ينظر المجلس الوطني الفلسطيني في التعديلات، ولم تعقد دورة لأجله.

وأما الفقد الثاني، الأداة الثانية التي لغيت بعد حرية التعبير عن الرأي، هي المجلس التشريعي الذي يستطيع تقرير واستخدام حق الاستقلال، وممارسته، فهو الممثل عن آراء الشعب الفلسطيني.

فاصلة،

أتذكر الآن حدثاً في نهاية 2019، أنا ومجموعة محامين ومحاميات ودارسين للعلوم السياسية عقدنا مقابلة مع أحد أعضاء المجلس التنفيذي فتح في مؤسسة Reform وكان موضوعنا عن إشراك الشباب في منظمة التحرير الفلسطينية، ودار الحديث عن لومه للشباب، ومختصر الحديث أن الحلول تأتي من الشباب، ثم صار تعليقه على ردة فعلي عن تعليقه، وأن عليّ أن أتعلم الدبلوماسية. مشكوراً. 

الملكية والسيادة في القانون الدولي: هل نَزَع القانون الدولي الملكية والسيادة عن الفلسطينيين بعد 1948 

 رأي مدرسة جون كويجلي مؤلف كتاب The Case for Palestine: An International Law Perspective تستند إلى فكرة السكان الأصليين.

 في مُعاهدة لوزان 1923، وهي المعاهدة التي وقعتها الإمبراطورية العثمانية إذعاناً لشروط المنتصرين في الحرب العالمية الأولى والتي قسمت أملاك (أراضي، جزر، وأموال) الإمبراطورية بينها وجلعت منها الجمهورية التركية، وبذلك استخرج جون كويجلي أننا نحن الفلسطينيين سكان أصليين حسب مواد مُعاهدة لوزان وحسب التاريخ، وأنّ لنا حق تقرير المصير والحق في السيادة والملكية وغيرنا يكون مقيم غير شرعي في الأرض. 

حيث كانت فلسطين جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، ثم استقلت بعد الحرب العالمية الأولى في كما جاء في مؤتمر فرساي 1919، حتى وضعت تحت نظام الانتداب الذي مهمته تقديم المنهج والمعونة، حتى يصل أفراد الشعب –أنقل حرفياً -لمستوى من الرقي يمكن الاعتراف بها أمة مستقلة تستطيع الاعتماد على نفسها. وبالرغم من أنّ قرار الجمعية العامة 181 يقسم فلسطين وينقص من حجمها الجغرافي، إلّا أن هذا لا يؤثر سلباً على حق تقرير المصير أو الاستقلال، كما أن الجمعية العامة للأمم المتحدة حفظت حق اللاجئين الفلسطينيين في قراراتها في أكثر من موضع، أبرزها أن حقوق الشعب الفلسطيني غير قابلة للتصرف، وهذا وحده شافٍ.لكن الإرادة ذاتها في متاهة. 

أنظر أيضاً الإرادة الفلسطينية في غرفة المرايا 

وتغيّر اسمنا: حقوق الدول تختلف عن حقوق "حركات التحرر"

كأنّ هناك سباق ما لإخراجنا من القانون الدولي، وتحويل كل ما هو دولي "حرب نزاعات مسلحة" إلى الصفة المدنية على الأشياء، وعلى الناس وعلى الحدود، وأن المشاكل هي مشاكل إنسانية، وليست حرباً، أو استعماراً أو صهيونية، على سبيل المثال بسبب اتفاقية أوسلو، وتحديداً طابا، وبسبب التحوّل من الصفة العسكرية إلى الصفة المدنية، فإن أي مقاتل حرب يسمى الآن "إرهابي" أو "يقوم بممارسة العنف" وهكذا يسقط اسم العمل التحرري، وحقوقنا في اتفاقيات جنيف، اتفاقية معاملة أسرى الحرب، نصبح أناس عارين من الهوية التحررية؛ تغيّر اسمنا. لماذا سعينا لكسب صفةٍ تمحي طريق تحررنا؟

أيتها الراقصة ارقصي عنا جميعاً

ما زلنا على طريق التنمية "بناء دولتنا" جدراننا

بتاريخ 13/1/2021 صدر قرار رقم (20/2021) من مجلس القضاء الأعلى الانتقالي بتشكيل محاكم استئناف جديدة في بعض المحافظات بدلاً من أن يكون ضغط القضايا على رام الله، وهذا لا يدل سوى على أننا ما زلنا في حالة تنمية. ولم قد نبدأ بعملية التنمية قبل التحرر؟



[1] https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=2428 قانون المطبوعات الفلسطيني

[2] https://www.palestine-studies.org/sites/default/files/mdf-articles/5752_0.pdf الميثاق الوطني الفلسطيني بعد التعديل ويذكر أنه لم يعرض بعد للمجلس الوطني الفلسطيني


الجمعة، 25 ديسمبر 2020

أيتها الراقصة، ارقصي عنا جميعاً


 

 الراقصة مرمر جولاني

فيلم الراعية 2019 –فيلم قصير، مدة العرض11:22دقيقة. إخراج فداء عطايا. عرض في مدرسة نابلس للفنون الأدائية(جمعية السيرك الصغير، 20 تشرين الثاني 2020) 






مهرجان مؤسسة شاشات الحادي عشر عرض عشرة أفلام قصير تبحث في أبعاد الهوية على المرأة الفلسطينية، فكان عنوان المهرجان أنا فلسطينية، والأفلام من صنع مُخرجات فلسطينيات، أنتجت في 2019. الجدير بالذكر أنها تعرض في ذات الوقت في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ يتوحد بذلك شطري الوطن من حيث الرؤية السينمائية، لا يفرقنا.."حدود". ضمن المجموعة خمسة مشاركات من الضفة الغربية، ومشاركة من القدس، وأربعة من قطاع غزة. –من الكتيّب

شعار المهرجان "أنا" كبيرة قريبة لكلمة فلسطينية التي كتبت بخط أرق منها وبجانبها شجرة لحائها تضخم ليصير وجهاً.

شاهدت أول فيلم قصير على قائمة الأفلام من السلسلة واسمه "الراعية"، إعداد وإخراج فداء عطايا، هي حكواتيّة أيضاً وتدق الدف. ماذا تكون الهوية لامرأة لم تعرف سوى رعي الأرض؟ هل امرأة لم تعرف سوى رعيّ الأرض ستعرف فلسطين؟

مدة الفيلم احدى عشرة دقيقة، لا أذكر سماع موسيقى تصويرية، إنّ حاسة البصر فقط تتبعت ذهاب الراعية حيث كانت في الأغوار الشمالية، تعيش بين عين الحلوة وعين المالحة. وأرتنا الراعية حول بيتها وتمشينا معها وكانت تتفقد الأشجار وتفقدت الأحجار وما تحتها وكأنها تحادثهم، تعرف قصة كل حجر وعن أي صخرة تفتت ومن أي تلة تدحرج. هكذا تحكي عنها فداء عطايا، وأما النهر فهناك تشيح النظر عنه، أو تقف من بعيد وتنظر إليه، فيتبخر جسدها مثلما يجف النهر، وتظل روحها. هنا نرى روحها.

روحها امرأة شابة، راقصة، حين وقفت الراعية أمام الشمس اختفت الراعية وحلت محلها الراقصة، تمسك بأيديها الشمس وتحاول إبعادها، تمد ذراعيها لأعلى، وتحركهما مُتضايقة وتنحني بجسدها يمينا ومرةً يساراً، أقولُ هي تشيح حرارتها عن المياه حتى لا تجففها كما يجففها الاحتلال.

في الليل تشعل النار، فداء ترينا القمر، حيث تنظر الراعية. روحها الراقصة ترقص حول النار، الكلمات التي تحكيها فداء، كأن الراقصة سمعتها لتوها. يلتصق جسدها بالأرض، ترقص حزناً وغضباً، تحاول النهوض، لكن لا جدوى. ومثلاً عندما تحكي الحكواتية عن التشبث بالأرض تدق الراقصة بأيديها على الصخور كأنها نسر يريد أن يخلق لنفسه عُمراً جديداً بحدّ أظافر قدميه. الحكواتية اختارت الشخصية التي لا تستطيع أن تتحدث؛ لتتحدث عن القصة التي يأكلها الوقت في كل مرة ينمو لسانها.

في الأغوار الشمالية، وبين عين الحلوة وبين المالحة، مسافة طويلة جداً، من المزروعات الممتدة في صفوف مرتبة، ومساحات مسروقة من قبل الاحتلال بحجج أمنيّة ونسبتها 87% من مساحة الأغوار، واستغلال ماءها. مساحة كبيرة جداً، وتتساءل المخرجة متى سيصير كلام الراعية المالحة حلواً. وللناظر أن يرى من مكان أعلى أنها أكثر من تلك النسبة، حيث صدر قرار في نهاية 2019 أن تفرض السيادة الإسرائيلية في مجال الطرق على الضفة الغربية، أي ما لم يستحوذ أمنياً، فإن مناطق سي/جيم -وهي مناطق حسب اتفاقية أوسلو تحت يد الاحتلال إدارياً -ستنقل إلى الإدارة المدنية لوزارة المواصلات والنقل على الطريق الإسرائيلية ويعني ذلك اكساب صفة الاحتلال في تلك المنطقة إلى صفة مدنية، وربما هذا خرق آخر لاتفاقية أوسلو يحدث منذ 25 سنة؛ يجب البحث فيه. وأمرٌ آخر، أنه على المدى البعيد وفق الاستراتيجية الجديدة للوزارة ستكون الطرق التي تحمل صفة الإدارة الإسرائيلية مشرفة على محلات الضفة الغربية ومن ثمّ أن تلك المحلات تطل على الشوارع الإسرائيلية. مما يعني ضمناً أنّ مثل هذا القرار الصغير من وزارة صغيرة، شيء يشابه صفقة القرن في مخيلتنا، وهو الضم، وهو ما حدث حيث حولت صفة الاحتلال وأكسبتها الصفة المدنية، أي أخرجتها من قانون كامل، وهو القانون الدولي الإنساني الذي يتعلق بالنزاعات المسلحة، حيث سنتغلغل بالطرق الإسرائيلية في أقرب وقت. أليسَ نحن أوجب في النظر لكل ما يحمينا؟

أيتها الراقصة ارقصي عَنّا جميعاً.

امرأة وروحها تحاولان النهوض وتقابلان في وجهيهما الطبيعة الصحراوية: الماء، الرمل، الصخرة، الشجرة، والقمر، وعصف الرياح البارد، الذي ألبسهما الغبار، والدمع، فأشعلتا لهم النار. القمر يتوسط المشهد في السماء. لم تغنِّ الروح ولم تحكِ ولم تنوح، فقط رقصت، كأنّه فعلٌ مجرد، كلمة لا تحتوي الزمان. أّنه يسمى رقصاً مُعاصراً، إلا أنه بدا ككتابة هولوجرافية تكتب على حائط من الهواء بحضور هذه البيئة البدائية. رقصة قبل معرفتنا للزمان، بدا كأنها امرأة تعبد عشتار، الإلهة، القمر، كانت رقصة صلاة لترجع للنساء القوة السلطة الكلمة، للنساء جميعاً. ليس مثل أن يكون اسم الفيلم الراعي، ويعرض أوجاع روحه، راقص، لكانت تبدو قصة راعي عادية، مثل تلك التي تذاع في الأخبار عن رجل فقد مصدر قوّته وقوته. لكن الأمر أيضاً متعلق في النساء كأن لم تروَ القصة كاملة من امرأة قط، لذا اختارت الحكواتية أن تحكيها، هذا الفيلم القصير يصوّرها، ويواريها. ليس عن الفلسطينيات فحسب، شكلا؛ تحكي قصة تمني أن يرجع زمن قديم حيث القوة للنساء، استكمالاً للمشهد ربما المرأة الفلسطينية تتمنى أن تصير عملاقة بقوة الإلهة فتدمر كل ما بين المسافات، أعتقد أنّها تخيلت ذلك، لقد رأيتها تدمع بعد أن أرتنا القمر، وجف النهر، فهطل المطر وأغرق الشاشة حتى نصفها، وهو الشيء الوحيد الذي لم يبدُ منطقياً، لتصير المعجزة وتندمج مياه عين الحلوة ومياه المالحة معاً دون أن تعيق هذا الاندماج حواجز، أو يشربها مستوطنون جياع -في آخر دراسة عن استهلاك المياه في اسرائيل، يستهلك الفرد الإسرائيلي مقارنة بالفلسطيني ثلاثة عشر ضعفاً رغم أنّها نفس مصادر المياه لا غيرها- لكن نستهلك مطر حتمية الأمل أكثر بكثير، حيث نغرق نصف الشاشة.  

أنا للحقيقة وقبل البدء في الكتابة، كلما كانت تقول "عين الحلوة" مباشرةً يذهب خاطري إلى دمنا في الجليل الذي هجّر إلى مخيم في لبنان، ليت تحصل معجزة أن يشتي النهر في مخيم عين الحلوة، وتحال قطعة الأرض موجةً أرضيّة أو تصير سفينة توصلهم حتى الجليل، وقماش الخيمة القديمة يصير علمها ونرجع؛ لأن الراعية أم، تجلس إلى النار وتفكر في أطفال أبعد من الأطفال الذين حملتهم، والأطفال الذين رأتهم. 




 

الأحد، 1 نوفمبر 2020

تتبع حق تقرير المصير

 

التتبع التاريخي لمبدأ حق تقرير المصير

الأمم المتحدة للتصويت في حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني المحتل 


  قطع من الأحداث التاريخية أدت إلى تشكيل وإخراج مصطلح حق تقرير المصير من بين سطور الثورات، وتعاقب تلك الأحداث أدى إلى رسوخها وتعدد فهمنا لها بحسب البيئة التي خرجت منها، وبعد الهدوء النسبي في الإطار الدولي فرست على ما اكتسبته من معان ٍ لكن ما نعتقد بأنها ستتغير وتتطور مع تغير الظروف الدولية في الأجيال القادمة.

  بداية تلك البذور أتت من محاولات الفلاسفة في تعريف الحرية، وهو ليس موضوع حديثنا، لكنه مرتبط بعدما تكونت الدول فأصبحت الدولة شخص اعتباري قانوني، يمثل الفرد الذي يسعى لها، ومن تلك التقاطعات نشأ القانون الدولي العام، الذي عرفه Alf Ross عام 1946  هيكل من القواعد القانونية الملزمة بعلاقة الدول مع بعضها البعض، وذلك التعريف نشأ من افتراضه أن القواعد القانونية لم تأتي من الهواء، بل هي مرتبطة اتصالاً بما يعرف النظام القانوني لمجموع مجتمعات الإنسان، القانون الدولي مرتبط بمجتمع محدد وهو مجتمع الدول (society of states) . ولأن أفكار الفرد تأثر على الغير، فالمجتمع فما يحيطه، نرى أن الحرية الفردية هي الأصل الذي رجع منه حق تقرير المصير.

  وتراكم ردود الفعل التي نشأت في القرون الوسطى عن حق الملوك الإلهي ،الذي كان يكرس إرادة الملك وحدة على أنها من الله مباشرةَ، فكانت البداية بالثورة المجيدة الإنجليزية ونتيجتها إعلان الحقوق عام 1689 حيث تم الاتفاق بين الشعب والملك على ألّا يتعدى على حقوق الشعب، وأن سلطته مستمدة من الشعب الممثل بالبرلمان.

  الثورة المجيدة كانت تعطي فكرة أن السيادة للشعب وهو جزء من حق تقرير المصير، لكن ما أضافه استقلال أمريكا عام 1776 كان مختلفاً قليلاً، إذ كانت المستعمرات الثلاثة عشر التي شكلت وجه الولايات المتحدة ويسكنها أوروبيين تابعة لبريطانيا العظمى على أنها البلد الأم للمواطنين الجدد. حدث خلاف لعدة أسباب خلاف بريطاني وأمريكي بريطاني في فهم دستور الثورة المجيدة، ولم يوجد ممثل حقيقي لتلك المستعمرات في البرلمان البريطاني، ولأن كل انسان يتمتع بسلطة يسيء استعمالها حتى يأتي من يوقفه عند حده، استبدت بريطانيا بوضع قوانين جديدة وفرض ضرائب.

  في دستور بريطانيا وقت إذ أن البرلمان له السلطة على الإمبراطوية، إذا ما يقوم به البرلمان هو عمل دستوري، لذلك قامت ثورة أمريكا، وتم الاعتراف عام 1783 في معاهدة باريس أن بريطانيا العظمى كانت استعماراُ !! أي تبرأت تماماً من الحكومة لأنها لم تكن تمثلها، بل وأسقطت وصف الاستعمار على فترة حكمها.

   وهذه نقطة جديدة تضاف لمضمون حق تقرير المصير إذ جاء في إعلان الاستقلال "الناس خلقوا متساوين، الله أعطى تلك الحقوق التي من غير الممكن أن تتغير، وهي الحق في الحياة، والحرية، والحق في السعي وراء السعادة(...)والحكومة عندما تأتي لتدمير هذه الحقوق، يمكن للناس تغييرها أو إلغاءها، وتأسيس حكومة جديدة(...) وتوفير حراس جدد لمستقبلهم."

 وتلتها الثورة الفرنسية 1789 وأكدت على مخرجات الثورة الأمريكية في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي أصدرته الجمعية الوطنية في 26 أغسطس 1789 كل سلطة ليست من الشعب هي سلطة فاسدة، كما أنها أزاحت فكرة حق الملوك الإلهي.\\ملاحظة عن الفيلسوف مونتسكيو في المذيلة

  في تلك النصوص لم يذكر مصطلح حق تقرير المصير بذاته، بل قامت تلك الأحداث بتأطير فروع حق الإنسان، كما في النص السابق، وفي إعلان حقوق الإنسان والمواطن التي قضت بحق الملك، وحق الأمن، وحق المقاومة من الاستبداد والظلم.

  ولأنه لا يجدر في كل مرة تظهر فيها حركة تحرر  نحاول أن نستخلص هذا الحق من المفاهيم العامة للقوانين، كما قال لينين، وعرفه كالآتي "الانفصال السياسي لهذه الأمم من الهياكل القومية الغريبة، وتشكلها لدولة قومية مستقلة" وكان من أوائل من نادى بهذا الحق وإعطاءه للأقليات وحدد تعريفا له، فكانت الثورة البلشفية أكثر تأثيرا في ظهور هذا المصطلح خاصة، وجاء صراحة في المادة الثانية من إعلان شعوب روسيا 1917  "حق شعب روسيا فيحرية تقرير المصير، متضمنا ذلك حرية الانفصال وتشكيل دولة مستقلة.

 -1-

من هنا بدأ ينشأ على الساحة الدولية، عندما ذكر صراحة وعززه تصريح الرئيس الأمريكي ووردو ويلسون في المبادئ الأربعة عشر  التي وضعها حتى يجد حلا للصراعات التي نشأت، للسلام، قال في خطابه بتاريخ الثامن من كانون الثاني 1998، وذكر منها في المادة رقم عشرة واثني عشر، منح القوميات الخاضعة للإمبراطورية النمساوية حق تقرير مصيرها"، " ضمان سيادة الأجزاء التركية وإعطاء الشعوب الأخرى الشعوب الأخرى غير التركية التي تخضع لها حق تقرير المصير".

 وأعطي طابعا سياسيا أكثر من قانوني. لكن تم تحويل هذا المفهوم بعد ابتكار نظام الانتداب من قبل عصبة الأمم، فتم اعتبار أن من يستحق تقرير المصير الدول الاوروبة أما الدول غير الاوروبية عليها الرعاية والإرشاد حتى تستطيع أن تستقل بنفسها، حتى في ظل الأمم المتحدة أخذت نفس الاعتبار.

\\ملاحظات للنفس\\

·        وبما أن الدستو ر هو من يعطي هذا الحق أصبح الأمر باتفاق مسبق وليس بإرادة منفردة من الجماهير، وليس انفصالا في حد ذاته. -عبدالفضيل إكنديل، الحكم الذاتي - المبادرة المغربية بشأن الصحراء كتعبير عن تقرير المصير، ص41ص42

\\مثال يوغسلافيا جيث أن الجأمم المتحد ة بعضوية الدولة الجديدة إلا بعد تعديل الدستور اليوغسلافي سنة 1992 والتصريح باحترامها لاستقلال الدول المنبثقة عنها.

\\ملاحظة من الغريب اعتباره اتفاق مسبق وليس ارادة منفردة، بل إرادة الأجيال السابقة هي من فرضتها، ثم أصبح أمرا واجب أن ينتزع حتى يكون من الدستور. وعدم انتزاعه يعد خرقا للقانون الدولي --لا لاء محكمة العدل الدولية قالت لا يعد اختراقا للقانون الدولي \\"ردود فعل بشأن كوسوفو

مرحلة النشوء ((مابعد الثورة البلشفية، مبادئ ويلسون والاتفاقيات، والجمعية العامة لجنة ضد التمييز العنصري))

\\مرحلة مرحلة التطور؟ ما هي؟ القانون الناعم ؟

عبارة عن السوابق القضائية التي جعلت لتقرير المصير ضوابط. والقانون الناعم؟

 

السبت، 11 أبريل 2020

(معرض مدى البرتقال) سؤال في الهوية: ما مدى ذاكرة البرتقال؟



جمل المخاوف


    يقول رواة الحكايات من يصل للامكان لا يرجع ببساطة، سأبدأ لك حيث وصلت، ولا أعلم إن كنت رجعت في النهاية أساساً. فآنست نفسي وجعلت من اللامكان مكاناً آلفه، البلدة القدمية في نابلس. وكان ذهني قد ترتب على رؤية الملصقات، وقدمي كانت ثقيلة عند كل ملصق. البلد معبأة منها، إن طرزت معاً تغلفها. وهي على نمط واحد: الشهيد في مركز الملصق أو على طرفيه بالموازاة: يحمل سلاحاً، بالعادة لن يُتاح له التقاط مثل هذه الصورة، بل حمّل هذا السلاح من خلال برنامج تعديل الصور، وبالعادة يرتدي الزي المدني. أحياناً فقط بكوفيته، ولون الخلفية حمراء، أو بيضاء، أو صورة قبة الصخرة. وأعلاه اسم الفصيل الذي انتمى إليه الشهيد. بدأ يتفادوني الناس مارين من خلفي مُزعَجين من خطواتي البطيئة، بادئ الأمر هكذا ظننت. لم أحرك ساكناً، أظنني كسرت سحراً. لم أعد أرَ أشجاراً أو لون السماء، الأرضيّة انقلب لونها. لونها ليلكي. وصعد يتبخر من الأرضيّة المبلطة إلى أن حوانا الضباب. كل الأرجل أصواتها بين الضباب ما عدا الرقعة تحت قدماي مضيئة، أضاءها قلب البرتقال، لم أنتبه أنها كانت بيدي. تكثّف بين الضباب ضبابٌ ركض خلفي، وجوه وخوذ جنود تلحقني، ركضت خلفي الوجوه رمتني بخوذها قنابل أغمضت الطريق. يمدون أيديهم، يتوهج قلب البرتقال، أرى. ارتداني الفزع، علا بي بنفسه حتى طول المشربيات، وراح يركض بين الحارات. علا غناء من المشربيات، أغاني الحصاد من رجال يلتقطون الضباب.

   ورجعت تتكثف الوجوه المُستغيرة، إذ تعطل الزمان فجأة انفضت، ليلفظني من جمل المخاوف هذه ويرجعني حيث كنت، رُدت للوراء متراً إثر توقف الزمن فأصبح وجهي ملصقاً على جدار، كما اختفت البرتقالة في تشققاته، صرت جزءاً منه، ظلُّه والشجرة قربه رفيقاي، إلى حين يأتي مجموعة من الشباب ويلصقوا الباب الذي أتيت منه. مروا، تجمعوا عندي، حلّوه من لفافته. دبَقُ اللاصق على جسدي. وألصقوه.

   ملصق لوحة "فلسطين، 1978" امرأة تحمل البرتقال بين يديها، فوق بطنها، ثوبها أزرق سماوي مطرز من جيب العنق حتى أوسطه، خلفها مشهد طبيعي لبيارة البرتقال، وزوج من المزارعين أسفل كل شجرة يمدون أيديهم في جيوبها. صار المكان الذي احتفظ بجسدي معتماً، غُصت في الجدار أنجد نفسي من العتمة، مثل حالة ولادة، نزلت من رأسي، وقدماي علقتا. الملصقُ هو هوَ أمامي، مع مجموعة ملصقات أخرى. معلق في الهواء بخيطين رفيعين من السقف، أنزلت قدمي فقفز وتأرجح. قمت. إنّه المتحف الفلسطيني-بيرزيت.

 لمَ أتأمل في شيء من المفترض أنني أعلمه؟ تقول لي اللوحة أنّ هذه فلسطين، حسناً إذا كنت أعلمها لماذا أتأملها، لماذا تصر عيني أن تنظر إليها؟ وكانت تحت عنوان "رَدُّ البرتقال". بجانبها خمس مجموعات أخرى تشاركها فضاء المتحف وواحدة عن يسارها. اثنين وثلاثين ملصقاً سياسياً، مررت بها. سكبت عليّ مشاعر دفأتني وأنضجت يدي، وحالما أمسكت الملصق، كالذي يتفحص قطعة قماش، سما الشجر نحوي وأخذني، وأخذني هنالك.
من الملاحظ أنّ معظمها مذيلة باتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين والمجلس الوطني الفلسطيني السابع عشر، أي في الثمانينات والبقية في الستينات، والسبعينات. وأن أهم حدث حينها يوم الأرض، برز من خلالها المشهد الطبيعي.

أشعرتني بالارتباك، لي ملء الحق أن أسأل لماذا لم أرَ مثلها ذي الأيام أو شبيهاً لها؟



منها ما كان في الشتات مثل ملصق تل الزعتر.


(خلفية الملصق صفراء، وخطوط حمراء عريضة والكتابات:
"سيبقى رمزاً للصمود الفلسطيني"

وأيادٍ ثلاثة عملاقة تأخذ تحمل ثلاث أسلحة ترفعها مكان الشمس على مخيم تل الزعتر.

 "مزيداً من القبضة الفولاذية على هذا البنادق صانعة الانتصارات وحامية الشعب" اللون الأصفر والأحمر، يعكسان دلالات شمس الحرية والقوة)






تاريخ سليمان منصور يذكر أنّه همّ بجعل لوحاته ملصقات على الجدران مع فنانين آخرين، وتوزيعها. وضع الاحتلال أجسادهم في المعتقل، لصد هذه التحركات، ووصل بالاحتلال أن منع استخدام ألوان: الأسود، والأحمر، والأخضر. الألوان، عندما تخرج من فرشاة الفنان، يذمّها العدو؛ تظهر لونه كما تجعله شاحباً. 

   وقفت أمام شجرات، أقصد ملصقاً، لهنّ وجوه يابسات ملثّمة تحمل -أظن أنه -كلاشينكوف، ووقفت مثلها، أنظر لأضواء الشمس عكست لوناً من اسم المعرض. كان من الممكن أن أستريح هنا إلى الأبد إذا عاهدتني لحظةُ ما بعد العصر الاستمرار إلى الأبد.

 "مدى البرتقال" حلقة وسيطة بين المعرض السابق "اقتراب الآفاق" والمعرض التالي "طُبع في القدس"، الأخير يستحضر تراثنا أيام الانتداب البريطاني. أما الحلقة الوسيطة، فهي من مقتنيات المتحف الدائمة، سبع مجموعات، لرحلة بصرية في المشهد الطبيعي من خلال الملصقات، كل واحدة تحملُ رمزاً بصرياً على سبيل المثال البرتقال، وشقائق النعمان. بغض النظر عن ترتيبها، ما الهدف من وجودها في المتحف بالرغم من قربها الزمني؟

تعطي انطباعاً للطلاب والطالبات والزوّار، أنّها قديمة، أعتقد. وفي نفس الوقت تعرض علينا لترينا التغيرات في المشهد الطبيعي الفلسطيني؛ كأننا الآن في مرحلة جديدة.

أو قد أضع افتراضاً، هو أنّا فقدناها من أفق رؤيتنا سابقاً والآن نحن نسترد مقتنياتنا فنعرضها. وإن صح، فإنه يعيدنا إلى "كأننا في مرحلة جديدة" لكن بطريقة أخرى حيث اهتدينا وبدأنا البحث عمّا مضى. سؤال في الهوية، ما مدى ذاكرة البرتقال؟ هل يستطيع متحف تأسس عام 2016 أن يمتلك مقتنيات أبعد من الانتداب البريطاني ليشكل تاريخ الذاكرة الفلسطينية؟ دون أن ينخدع بتكوين هوية مُضادة للاحتلال؛ فهو يسرق البرتقال، ورمزه، فيرد المتحف بإرجاع رمز البرتقال. حتى نصبح بعد سنوات شبيهين، نسختين، لا يستطيع طرف ثالث التفريق بيننا.

الاثنين، 13 مايو 2019

الإرادة الفلسطينيّة وسط غرفة المرايا




"القوة تبقى فوق الحق" قالها ثيودور هيرتزل في كتابه "دولة اليهود" وبعد 60 صفحة، جرى الكثير أمام حب الناس للسلام إذ زاد "إن أردنا سلاماً يجب أن نجعل من مصلحة الدول هو تحقيق السلام" وبقوة هذه العبارات أنشأ الصهيونيّة، حاملاً في قارب أفكاره -من النمسا-بيوض تنانين.

الإرادة الفلسطينية أمام قوة الوحش العملاق الذي لم تره؛ لأنه يضعها في غرفة المرايا، قررت أن تواجهه وكوّنت منظمة التحرير الفلسطينيّة 1964، وعام 1993 فوّضت سلطتها إلى السلطة الوطنية الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو للسلام حتى تكون إدارة حكم مدني ذاتي على أراضٍ خرجت منها إسرائيل في الضفة الغربيّة وتكون مدتها 5 سنوات، كَبُر العملاق؟ تمدد، واتسعت المدة أو بطء الزمان للخروج من هذه الأزمة، من هو؟ الذي يجعلنا نجدف ونجدف لا سبيل للخروج من دوامة الأزمات القانونيّة التي يقعد في وسطها مثقلاً نسيج الزمكان كأنه ثقب أسود ونحن نحج حوله مراراً، في فراغ السلطة التشريعيّة بعدم انعقاد المجلس التشريعي، وفي انقسام 2007، وفي فراغ النظام السياسي، حتى على طرق حياتنا تمدد.



أغلب الظن أنه اللفياثان، وحش الفيلسوف هوبز، العملاق الأسطوري ليس من لعبة العروش لحسن حظهم، رأس تنين وجسد أفعى يعيش في الماء، يفعل ما يشاء، قد تشعر بأحد أطرافه إن حاولت الاقتراب، وإن تعمقت سيكون بشكل هلاميّ يحيط ما حولك أو كقرد كسلان يتعلّق بك إن أصابك الهم، وسترى سماءك بعدها بغير ألوانها، يقفز من كتاب الأصول الطبيعيّة والسياسيّة لسلطة الدولة، يتسع، يتشكل في أي فراغٍ يترك.



سأقف على عتبة حالة الاستثناء لا تمازحني! فبين الواقعة والقانون عتبة تصلنا إلى استبداد يحرّم ويقصي الإنسان، تفاح الجنّة الآن هو قطف النظام الجديد.



  عزيزي التائه/عزيزتي التائهة في هذا الفضاء، هذه المقالة ستستعرض لك ما معنى حالة الاستثناء، وبأي شكل منها نحن، وكيف يتحكم بنا ذيل الأفعى على حياتنا ونظامنا السياسيّ، على أساس أنّا كنا كما قال أفلاطون سابقاً الإنسان حيوان سياسي، أصبح كلام ميشيل فوكو هو الواصف للحال حيث أن حياة هذا الحيوان هي موضع تساؤل في النظام البيوسياسي (عن علاقة نظام الحكم السياسي بالإنسان عبر التدخل والمراقبة بالتأديب والسيطرة).
   
بغية فهم هذا اللاشيء من الحياة الذي نحن فيه، نعرف حالة الاستثناء بالرجوع إلى الفيلسوف جورجيو أجامبن هي السلطة المطلقة-الملكيّة- أي دون الفصل بين السلطات المختلفة وهي تمثّل دولة الفراغ القانوني، ويدنو منها مصطلح السلطة الكاملة وتعني حق إصدار قرار بقوة القانون وهذا ما حدث في فلسطين منذ بداية الانقسام، بعد فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي، وبسبب عدم رضا الكثيرين من الداخل وأيادي الأجانب الخفيّة لم تمر هذه الخطوة بالانقلاب الذي خسف الدمقراطية، فما كان من حماس إلى أن تقيم حكومة شرعيّة- غير شرعيّة على غزة، وأكمل الرئيس محمود عباس رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية مسيره في اتفاقية أوسلو دون مصالحة مع بقيّة الإرادة؛ حيث أقال رئيس الوزراء إسماعيل هنيّة المنتمي لحماس معلناً حالة الطوارئ المنصوص عليها في الفصل السابع من الدستور 14\6\2007 بسبب العصيان والحرب الإجراميّة على غزة والانقلاب العسكري والخروج عن القانون عن الشرعية الفلسطينيّة.

ولعدم انعقاد المجلس التشريعي يصدر السيد الرئيس قرارات اعتباره ممثلاً عن السلطة التنفيذية لها قوة القانون كسلطة تشريعيّة مستنداً بذلك إلى المادة 43 –حالة الضرورة -من القانون الأساسي للسلطة الوطنيّة الفلسطينيّة.

وهذا يعني تعليق القانون الأساسي، ما يجعل حقوق الإنسان الأساسيّة غير محميّة، لأننا في حالة مبررة، ولاستمرار هذه الحالة لأكثر من 30 يوم في حالة الطوارئ وغياب جلسات المجلس التشريعي التي من المفترض أن تعقد شهري آذار ويوليو من كل سنة ولاثني عشر عاماً نضجت لدينا حالة من الاستثناءات المستمرة التي أصبحت العاديّة.

 ليس هنا يكمن الوحش، بل بالتفاصيل الأُخرى عندما آتي إلى تعريف السيادة والحكومة، عندما تصبح لديك الملكة لتسمع صدى العملاق ينادي لمن الملك اليوم؟

وقفة، لنرجع للوراء قليلاً في البدء كانت الكلمة، عندما تحوّل مركز الثقل السياسي من منظمة التحرير الفلسطينيّة إلى السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، إلى أوائل الأزمات، عندما تبنى الرئيس السابق الراحل ياسر عرفات القانون الأساس بعد ثلاث سنوات من الفترة الانتقالية (عام 2002) وهي خمس سنوات المحددة في اتفاق أوسلو، وفي التعديلات 2003 استحدث منصب رئيس الوزراء، من ثم في 2005 تم تحديد ولاية المجلس التشريعي، وهكذا إلى أن أصبح هذا الحكم الذي اتفق أنه مؤقت إلى حالة دائمة، لم تكتمل بعد الصورة.

عنوان هذه المقالة للتأكيد هو الإرادة التي شوّهت وأصبحت سائلة، فاسدة، أو حالة تشرذم، ناقصة، معيبة، لأنك عندما تقوم بتصرف يجب أن تكون كامل الأهليّة وبالنسبة (لدولة فلسطين) فما قامت به م.ت.ف هو بدلاً من المضي قدماً بجدارها المحمي بإرادة شعبها، العدو لا يستطيع العدو من فوق الجدار الذي حاصره فقام بتحطيمه كما فعل ذلك أيضاً بأزقة جنين، هي السياسة ذاتها لكن على مستويات، فأبرم اتفاق سلام، هدنة، وأعطى البحر والمجداف للسلطة الوطنية الفلسطينية، وينظر لنا كفأر يركض على دولاب.
فلا يمكنك كتابة دستور لدولة قبل أن تنشأ دولة، وهذا يجعلنا قليلاً نعرج إلى النظرية الدستورانيّة، حتى تجيب رأس التنين على سؤاله لمن الملك اليوم، وتختار بعدها ما تشاء. 

تعتمد النظرية الدستورانية في أساسها على عبارة السيادة للشعب، أي أن الشعب يكتب الدستور وهو رؤيا المجتمع، من الشعب إلى الشعب، مهما كان شكل الجماعة الضاغطة وفئات المجتمع التي منه فهو يعبر عنه، حسناً.

ويشترط أيضاً أن تقيّد السيادة المؤسسة أو الحكومة التي تمثلها وتفصل بين سلطاتها الثلاث(التنفيذيّة، والتشريعية والقضائيّة) من ثم الرقابة على الأعمال الدستوريّة حتى لا تتخطى القانون الدستوري.

وقد ينقد أليكس دو توكيل في كتابه "ليبرالية أمريكا" النظرية الدستورانيّة، لأن من يعين القضاة الناظرين إلى دستوريّة هذه المنازعات هي السلطة التنفيذية وليس منتخباً، أي هناك ثغرة تعيبها، قد تملأ. ب..بالكثير، تذكر\ي.

إذاً لنفرق بين السيادة والتي تعني السلطة العليا، لأنها هي التي تأمر الحكومة وتقيدها وتشترط عليها تمثيلها في سلطاتها المختلفة، أي تمثل السيادة من خلالها، هل الفرق واضح؟ لنستمر.

أجل قد يُقال أنّ الآمرين يأمرون الآمرين، لكن من يملك تسيير الإرادة هو صاحب السيادة، وذا هو شكل الوحش، عندما تجيب عليه تعرف من هو، لمن الملك اليوم؟ نجيب على ذلك من المنظّر الأول لمفهوم السيادة كارل شميت: من يملك حالة الاستثناء هو صاحب السيادة.

لنرجع إلى حالتنا، من أصدر قرارات بقانون، وأعلن حالة الطوارئ؟

 لكن من أطال مدة المفاوضات حتى ثقب الزمن؟

لا، من غير المعقول اتهام الرئيس هو اللفياثان، بل هو من لعب بإرادتنا وقادنا لحالة الاستثناء لنقل مركز الإرادة من م.ت.ف الممثل الحقيقي لإرادة الفلسطينيين، إلى ما هو وهمي، خاوي، العدو الذي جعلنا نصدق أننا نسير في الطريق ونحن في متاهة أو على جهاز ركض لا يتوقف.

أي شيء في هذه المنظومة عندما توجه ضربتك فلن تصيب، لأن يدك مربوطة بعصا يتحكم بها من بعيد، كأن السلطة الوطنية الفلسطينية دميّة جورب أمام الجمهور الفلسطيني غير مدركين لذلك، وصل الأمر للسخريّة بأننا نخاطب دميّة على أنها حقيقيّة ونبني مؤسسات الدولة على أطلانتس الجزيرة المفقودة، وكلها نفخ ولعب بالكلمات حتى أمام البنك الدوليّ الذي يقول هناك زيادة في النمو وإلى آخره.

حالة الاستثناء أكبر من قرار بقانون واحد، وتعليق الدستور في حالة طوارئ كتدبير استثنائي لتفادي عقبة، بل تكشف عن نفسها كنموذج لنظام قانوني مستبد يتعارض بقوة مع هرميّة التشريع، كل شيء يصبح مستباح من شكل النظام السياسي الذي قد أقول إنه شبه _شبه رئاسي، إلى الإنسان نفسه الذي يموت دون قيمة على الحواجز أو في شارع سي.

كل شيء ستحاول القيام به، من تفسير لقرار محكمة دستوريّة، إن اعتمدت على مقاصد المشرع-وأي مشرع! – أو على منطق القانون العام، فإن ذيل الأفعى سيركله بالأخطاء، لأنه بطريقة ما غير شرعيّ ولا يعبر عن الفلسطينيّ، أيضاً فيما يتعلق بالحكومة لقد جربت أن تكون سابقاً كحكومة "أكثرية منقسمة"، أي الرئيس من حزب وأغلب المجلس التشريعي ورئيس الوزراء من الحزب الآخر، فانخسفت بها، وكانت من قبل "حكومة أقلية منقسمة" عندما يكون الرئيس من حزب ورئيس الوزراء من حزب آخر أو مستقل فكانت هشّة برغم الجهود الكبيرة التي قد تخطئ وقد تصيب، فإنها محدودة وضعيفة، أو لا معنى لها أحياناً، راجع\ي آخر حكومتين مثلاً، تقول سندي سكاتش وتيموثي كولتن في نظرة جديدة على النظام شبه الرئاسي من خلال الأزمة الروسيّة، "أن ازدواجية السلطة التنفيذية في النظام شبه الرئاسي واستخدام المراسيم بشكل واسع يؤدي إلى الانزلاق إلى الدكتاتوريّة ويتجاهل المجلس التشريعي المنتخب وسيقود البلاد إلى دكتاتوريّة دستورية" وأشير إلى مصطلح دكتاتوريّة دستوريّة هو مصطلح استخدم أول مرة 1921 من خلال كتاب كارل شميت متحدثاً عن السيادة.

وللعلم النظام شبه الرئاسي تم تبينيه في 2003 على أنه منقذ، أرأيت في كل مرة تحاول انقاذ نفسك ستنزلق! لأن النظام الحقيقيّ صاحب السيادة مالك الاستثناء يقصيك من الاندماج حتى في أعمالك أياً كانت رافضاً وجودك، وتعاملك كأنك مجرم.

إضاءة، أما عن النظام شبه الرئاسي فالاقتراح المقدم من ورقة "الأزمة الروسية" هو تقييد رئيس في النظام شبه الرئاسي، وأريد أن أطرح سؤالاً قد يشكل وقفة لكتابات أخرى، هل يمكن تقييد السلطة الوطنية الفلسطينيّة والسلطة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينيّة؟

كما يجب أن يجري الحديث عن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية قبل أي خطوة جديدة، أو إنشاء إرادة جديدة، كأهم خطوة وقائيّة.

 أما حالة الاستثناء قد تطول كما علّقت الحقوق الأساسيّة في دستور فايمر لمدة 12 سنة، كما استخدمت هذه الحالة في ميلاد الثورة الفرنسية السنة الثامنة للثورة على ما أذكر، ونوضل ضد أبسط أشكالها لأن من حقك عندما تنتهك السلطة الفاسدة التي لا تعبّر عن سيادتك أن تقاتل من أجلها، فالسلطة الفاسدة هي كل سلطة على الأفراد والجمهور لا تكون صادرة عنهم، حسب المادة الثالثة من إعلان "حقوق الإنسان والمواطن" الصادر عن الجمعية الوطنيّة الفرنسيّة 1789،  وأختم بما قال كارل ماركس "البشر يرون العقاب وليس الجريمة، وعندما لا يرون الجريمة عندما تتم معاقبتهم، يجب عليك أن تخشاهم، لأنهم سيأخذون بانتقامهم" وهو مثلما حدث في الانتفاضتين، وما يحدث دائماً أننا نعامل كمجرمين في حالة إقصاء دائم من النظام، وقد يكون هناك المزيد إن حاولت أن تنال على إرادتك غير مكسرة بمطرقة الفساد التي يحملها ذيل اللفياثان.